نجارًا وإبراهيم كان بزازًا وداود كان يصنع الدروع ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان راعيًا للغنم، وكان أبوبكر الصديق بزازًا وعمر يعمل في الأديم وعثمان كان تاجرًا وعلي كان يتكسب، فقد صح أنه كان يؤاجر نفسه [1] . فالمسلم إذا خلصت نيته وحسن مقصده في نشاطه الاقتصادي - عملًا وإنتاجًا واستهلاكًا - فهو في عبادة بمفهومها العام، لأن العبادة في الإسلام لا تقتصر على الشعائر التعبدية المعروفة، كالصلاة والزكاة والصيام، بل تشمل كل"ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" [2] . في حين أن الإعراض المطلق عن السعي والكسب بزعم أن ذلك من الزهد فكرة دخيلة على الإسلام، وصف الإمام الغزالي أصحابها بالجهل في قوله"وقد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب، وترك التداوي، والاستسلام للمستهلكات، وذلك خطأ لأن ذلك حرام في الشرع" [3] .
وقال الموصلي"ولا تلتفت إلى جماعة أنكروا ذلك - يعني الكسب - وقعدوا في المساجد أعينهم طامحة، وأيديهم مادّة إلى ما في أيدي الناس يسمون أنفسهم المتوكلة، وليسوا كذلك، يتمسكون بقوله تعالى: (( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ) [4] . وهم بمعناه وتأويله جاهلون، فإن المراد به المطر، الذي هو سبب إنبات الرزق، ولو كان الرزق ينزل علينا من السماء لما أمرنا بالاكتساب والسعي في الأسباب، وقال تعالى: (( فأمشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) ) [5] . وقال تعالى: (( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا ) ) [6] . وكان تعالى قادرًا أن يرزقها من غير هز منها، ولكن أمرها ليعلم العباد أن لا يتركوا أسباب الاكتساب" [7] .
(1) أبو الفضل عبد الله مودود الموصلي الحنفي، الاختيار لتعليل المختار، جـ 4، ص 170.
(2) ابن تيمية، العبودية، مطبعة المدني، القاهرة، 1398، ص 5.
(3) أبو حامد محمد الغزالي، كتاب الأربعين في أصول الدين، منشورات دار الآفاق، ط 1، 1978 م، بيروت، ص 186.
(4) سورة الذاريات، الآية (22) .
(5) سورة الملك، الآية (15) .
(6) سورة مريم، الآية (25) .
(7) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، جـ 4، مرجع سابق، ص 170 - 171.