الصفحة 34 من 41

كالجسد الواحد كما أراد منه الإسلام. وإذا ما سلك الفرد في نشاطه طرقًا وأساليب لا تحترم الشريعة الإسلامية، فإن الشريعة لا تتركه يستفيد من نشاطه الخاطئ، بل توجب على الدولة الإسلامية ضمن وظائفها الاقتصادية التأكد من سلامة سير النشاط الاقتصادي، كما فعل ذلك نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع بائع الطعام، الذي أخفى الرديء وأظهر الجيد، فقال عليه الصلاة والسلام (من غش فليس منا) [1] . وحذرتها من سوء المنقلب إذا ما عمتها المحاباة في تطبيق قاعدة المساواة بمعاقبة المخالفين للسلوك القويم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - (أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحق، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) [2] .

وإذا ما انفلت الفرد من الرقابة البشرية فإن الرقابة الإلهية أعدت له عذابًا شديدًا، يتمثل في قوله تعالى: (( خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه ) ) [3] .

فالشريعة الإسلامية مهما تمجد العامل الاقتصادي وتعظمه وتفسح له المجال، فإنها لا يسعها أبدًا أن تعترف أو تتسامح بأية صورة من صور الكسب الخبيث، وهو المعبر عنه في لغة العصر بالكسب غير المشروع، ولو كان الهدف من ورائه محمودًا في نظر الشارع، كالذي يقيم حفلًا راقصًا ليعين من دخله جمعية خيرية، أو كالذي يأكل الربا لينشي به جامعًا للعبادة، فالغاية لا تبرر الوسيلة في نظر الشريعة [4] . لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب"

(1) السيوطي، الجامع الصغير من حديث البشر النذير، المرجع السابق، حديث رقم 8879.

(2) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، حديث رقم 6788.

(3) سورة الحاقة، الآيات (30 - 32) .

(4) د. يوسف القرضاوي، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، مكتبة وهبة، 1415 هـ، ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت