أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغنى عنه" [1] . كما اعتبرها بعض العلماء بمثابة القاضي، وأن من حبسها ولم يصرفها فكأنه حبس القاضي وحجبه عن الناس [2] ."
وقد حذر الله سبحانه أشد التحذير من هذه الظاهرة الخطيرة اقتصاديًا واجتماعيًا، وأوضح النهاية السيئة لمرتكبيها في قوله تعالى: (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) ) [3] . وهكذا فإن الترف والسرف في النشاط الاقتصادي كالتقتير والاكتناز، كلاهما ليست فضيلة محمودة، بل رذيلة ممقوتة في الإسلام، الذي رسم لنا في سلوكه الاقتصادي طريقًا وسطًا بين اليد المغلولة واليد المسرفة، يتمثل في قوله تعالى: (( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا ) ) [4] . مع ملاحظة أن المفهوم الإسلامي للاكتناز يختلف عنه في المفهوم الوضعي، الذي ينصرف إلى حبس النقود وإبعادها عن التداول، أو عن المساهمة في النشاط الاقتصادي، بينما نجد المفهوم الإسلامي للاكتناز يتوزع بين عدة آراء أوردها ابن العربي [5] في كتابه أحكام القرآن في سبعة أقوال، منها أنه المال المجموع الذي لم ينفق في سبيل الله، كما ذهب إلى ذلك أبو ذر، ومنها المال المجموع الذي لم تؤد زكاته.
ومهما يكن من أمر فإن الاحتفاظ بالأرصدة النقدية بلا توظيف حتى مع إخراج الزكاة أمر غير مرغوب فيه إسلاميًا، لأن الموارد العاطلة تنطوي على صور من الضياع الاقتصادي لا يحتمله الإسلام، وفيه تعريض النقود للتآكل وتدهور
(1) المرجع السابق، ص 91.
(2) ابن العربي، أحكام القرآن، جـ 3، تحقيق علي محمد البحاوي، دار المعرفة، بيروت، ص 1064.
(3) سورة التوبة، الآيتان (34 - 35) .
(4) سورة الإسراء، الآية (29) .
(5) ابن العربي، أحكام القرآن، القسم الثاني، مرجع سابق، ص 928.