الصفحة 28 من 41

ولأبي بكر الصديق في هذا الصدد كلمات مضيئة، ذات طابع اقتصادي متميز، تبرز الموقف الإيجابي للدولة الإسلامية في عصورها الأولى في المحافظة على الموارد، التي استخلف الله الإنسان فيها، وجعله أمينًا عليها، وقد تجلى ذلك في وصية الخليفة الأول ليزيد بن أبي سفيان، حينما أرسله في بعثة حربية فأوصاه:"بأن لا يقتل امرأة ولا صبيًا ولا كبيرًا ولا يحرق نخلًا ولا يعقر شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله" [1] كما أنه من الثابت أن الإتلاف المحض للموارد بلا موجب شرعي ليس موضع نزاع بين الفقهاء، لاتفاقهم جميعًا على منعه، حيث ذكروا أنه لا يجوز إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلًا، كقتل الدابة بلا سبب موجب [2] ، وعلى وجه اللهو والعبث [3] ، ولا فرق في هذا بين المسلم وغير المسلم، لأنه إتلاف وتخريب متعمد وتضييع للمال بدون مسوغ شرعي [4] . والأصل في هذا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (من قتل عصفورًا عبثًا عج إلى الله عز وجل يوم القيامة يقول يا رب إن فلانًا قتلني عبثًا ولم يقتلني لمنفعة) [5] .

ومن ثم فلا مجال لإتلاف الإنتاج، أو إلقائه في المحيط، بغية إنقاص العرض عن الطلب، من أجل المحافظة على مستوى مرتفع للأسعار، أو إبقائها على حالها، [6] ويزعم أن ذلك تصرف اقتصادي سليم، في الوقت الذي يعيش فيه الملايين من البشر تحت خط الفقر المطلق [7] ، ويموت العديد منهم من الجوع وسوء التغذية،

(1) المصنف للحافظ الكبير أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، عني بتحقيق نصوصه حبيب الرحمن الأعظمي، الجزء الخامس، باب عقر الشجر بأرض العدو/ 9375، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1392، ص 199.

(2) رد المحتار على الدر المختار، حاشية ابن عابدين، جـ 5، دار إحياء التراث العربي، ص 123.

(3) محمد بن أحمد بن جزي، القوانين الفقهية، دار القلم، لبنان، ط 1، 1977، ص 118.

(4) د. حسن أبو غدة، حكم إتلاف أموال الحربيين غير المستخدمة في القتال، مجلة كلية الشريعة، الكويت، العدد 26، ربيع الأول 1416 هـ، ص 178.

(5) سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي ج 7/ 42 باب من قتل عصفورًا بغير حقها، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة مكتب المطبوعات الإسلامية، بحلب، 439.

(6) د. شابرا، الإسلام والتحدي الاقتصادي، مرجع سابق، 365.

(7) (*) يقصد به"وجود قدر معين من الدخل لا يسمح بالحصول على الحد الأدنى من السلع الغذائية التي تلزم للإنسان في الظروف العادية"*. وقد قدر عدد الفقراء في العالم الذين لا يصل مدخولهم الفردي السنوي إلى 370 دولار بـ 1.6 مليار نسمة في سنة 1985، منهم 1.2 مليار أي ما نسبته 75% من سكان العالم الثالث يوجدون في حالة فقر مطلقة ليس لديهم أية وسيلة لتحسين دخلهم**.

(*) انظر د. حمدي عبد العظيم، فقر الشعوب بين الاقتصاد الوضعي والاقتصاد الإسلامي، 1415، ص 69.

(**) انظر د. عبد الحميد براهيمي، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 129، 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت