فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 180

الثانية: المعصية: وذلك أن يكون الوالدان مسلمين، لكن لديهما من الكبائر والمعاصي ما لديهما، فإن وجوب برهما مستمرٌّ، لا ينقطع بسبب تقصيرهما في حق الله تعالى، وهو مما دلتْ عليه نصوصُ برِّ الوالدين؛ فقد جاءت مُطلقة في وجوب الإحسان والإكرام لهما دون التعرُّض لما هم عليه من الخطايا.

الثالثة: الظلم: وذلك أن يظلم الوالدان ولدهما بأي نوع من أنواع الظلم الحسي والمعنوي، ومع ذلك فإنَّ وجوب برهما مستمرٌّ لا ينقطع؛ لأمر الشارع -عز وجل- بذلك.

فالوالدية هي عطاء صادق، وتضحيات مبذولة بجد وتفانٍ، وهي طريق طويل معبَّد بالآمال والآلام، والتحمل، والتجمل، والصبر، والتصبر، والانتظار والترقب، وهي ملحمة إنسانية رائعة سطَّرها الوالدان بدموعهما فرحًا وحزنًا، وسهرهما الطويل، وعواطفهما الصادقة، ومشاعرهما النبيلة الكريمة، وأحاسيسهما الشريفة، وصبرهما الجميل الطويل حبًّا لأبنائهما، ورحمة بهم، وشفقة عليهم، وتربية ورعاية لهم، وحرصًا عليهم، وما كان أحد أرحم بالصغار من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالوالدية هي الوالدية في عطائها وحنانها، ولذلك فهي ليست في حاجة إلى وصفها بأي وصف حتى يكون هذا الوصف بمثابة العِلِّيَّةِ أو الشرط للبر بالوالدين، فالوالدية بعطائها الإنساني الفطري الواسع لا توصف بالإسلام أو الصلاح، بمعنى أن علِّيةَ الحكم بالأمر ببر الوالدين، والنهي عن عقوقهما ليس لكونهما مسلمين أو صالحين - مثلًا - بل العلة في ذلك الأمر كونهما والدين فحسب، سواء كانا مسلمين أو كافرين أو منافقين، أو صالحين، أو فاسدين، ملتزمين، أو مفرطين؛ لأن الوالدية غنية عن كل وصف يقيدها، ولعل ذلك ما أشعر به مجيء لفظ (الوالدين) مجرَّدًا عن أي وصف في الآيات التي تناولت البر بالوالدين والنهي عن عقوقهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت