عاجزًا جاهلًا لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يقدر أن يدفع عنها ضررًا، إذ كانا يحوطانه بالعناية والرعاية، ويكفلانه حتى يقدر على الاستقلال، والقيام بشأن نفسه، فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح، والحنان العظيم، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وإذا وجب على الإنسان أن يشكر لكل من يساعده على أمر عسير فضله، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد، وما كانت به المساعدة، فكيف لايجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر لله تعالى، وهما اللذان كانا يساعدانه على كل شيء أيام كان يتعذرعليه كل شيء؟!) [1] .
ويقول سيد قطب: ( .. يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء، ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام، إلى الذرية، إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل المقبل، وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء، إلى الأبوة، إلى الحياة المولية، إلى الجيل الذاهب، ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتلتفت إلى الآباء والأمهات.
إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة، فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة، فإذا هي قشر، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان، فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى الأمام إلى الزوجات والذرية ... وهكذا تندفع الحياة، ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى
(1) رضا، محمد رشيد القلموني الحسيني، تفسير المنار د. ط، (الهيئةالمصريةالعامةللكتاب 1990 م) (1/ 303) .