المبحث الثالث
الآثار الاقتصادية لعقود الخيارات المالية من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي
بعد الاستعراض لآثار عقود الخيارات المالية المعاصرة ـ حسب ما يرى مؤيدوهاـ لابد من تقييمها إسلاميا، وذلك لمعرفة هذه الآثار هل هي حقا ايجابية أم لا؟ وذلك من خلال النظر في باعثها ومآلها، وعليه فإذا كانت مما تبيحها الشريعة وتقرها، فتكون معتبرة شرعا، وإلا فلا. وتوضيح ذلك بما يلي:
بنظرة فاحصة إلى هذه الآثار يتبين لنا أن الباعث عليها ابتداء هو الربح السريع ـ القائم على المضاربة على فروق الأسعارـ وإن اختلفت المسميات، فالقصد والغاية منها هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الربح وبأسرع وقت، وبأقل مخاطرة، ومن المعلوم أن هذا الربح هو لطرف دون آخر، وهذا من الظلم الذي ترفضه الشريعة السمحة، ووجه الظلم حرمان أحد طرفي العقد منه نهائيا، ومن المعلوم أن كافة العقود المتعارف عليها شرعا وقانونا غايتها تحقيق مصالح متبادلة للطرفين، وشبه متوازنة من حيث الربح والخسارة حتى ولو خسر أحدهم وربح الآخر، لذلك فإن هذه العقود دائما فيها طرف رابح وطرف خاسر، لذلك فإن هذا العقد الذي يترتب على انتفاع أحد طرفيه مضرة الطرف الآخر هو مخالف لكافة العقود المتعارف عليها شرعا وقانونا، ولا يشبه في ذلك أو لا يماثله من كل وجه سوى ما كان على سبيل القمار. فالباعث إذن هو المضاربة على فروق الأسعار، وأما مآل هذه العقود فيتمثل فيما تسببه هذه العقود من آثار سلبية، تعود على الأسواق المالية بشكل عام بالضرر والخطر. ولإثبات هذا التقييم نبين الآثار الاقتصادية السلبية التي تحدثها هذه العقود في الأسواق المالية، وبيان هذه الآثار على النحو الآتي:
إذا لجأ أحد كبار التجار إلى البيع على المكشوف حينما يتوقع انخفاض الأسعار، فإن غيره من التجار غالبا ما يحاكونه في هذا السلوك باعتباره قائدا في السوق، الأمر الذي يترتب عليه أن تتجه الأسعار إلى الهبوط، وبالرغم من ذلك ولأن التاجر يتوجس خيفة من تقلبات السوق وتغير اتجاهات الأسعار، فإنه يلجأ إلى بيع عقود الخيارات، وبأسعار زهيدة يغري المشترين على الشراء رغم أنه غير راغب في تسليم الأوراق في مثل هذه الظروف، كونه لن يطالبه أحد بتسليم الأوراق ما لم يرتفع سعرها، وهكذا يتلاعب محرر الخيار بالأسعار حسب مصلحته [1] ،من خلال إصداره عقودا من الخيارات هي في الأصل وهمية ليس لها أي قيمة اقتصادية في ذاتها ... لأن قيمتها تستمدها من القيمة السوقية لمادة الخيار ـ التي غالبا لا يكون بنية صاحبها تسليمها عند
(1) ـ رضوان: سمير، أسواق الأوراق المالية ودورها في تمويل التنمية، ص 321