الصفحة 14 من 40

لقد حبا الله الناس من نعمائه ما شاء من النعم، ولقد خص كلًا منهم بنعم ليست عن الآخرين، فمن الناس من ميزهم الله بقوة العضلات، ومنهم بالغنى، وآخرون بقوة الحفظ، ولقد كان منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته مراعيًا للفروق الفردية للأشخاص فلقد روى مسلم من طريق ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، قَالَ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي فَلَمَّا جِئْتُ، قَالَتْ:"مَا حَبَسَكَ"؟ قُلْتُ:"بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِحَاجَةٍ"، قَالَتْ:"مَا حَاجَتُهُ"؟ قُلْتُ:"إِنَّهَا سِرٌّ". قَالَتْ:"لا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدًا". قَالَ أَنَسٌ:"وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ" [1]

فانظر كيف راعى النبي - صلى الله عليه وسلم - الفروق الفردية فلقد سلم على الغلمان جميعًا وهم يلعبون، لكنه خص أنس فقد أرسله لحاجة له، ولقد كان أهلا لها فحفظ سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقي الأمر سرًا في صدره فما حدث به أحد.

وكان مراعاة الفروق الفردية منهجًا عامًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينما منع الإمارة أبا ذر وقال له:"إنك ضعيف"فقد جعل أسامة بن زيد أمير على الجيش رغم صغر سنه وقال عنه:"وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ" [2] . حتى في الصلاة التي هي عمود الدين راعى الفروق الفردية فكان المنهج في اختيار الإمام"يؤمكم أكثركم قرآنًا"؛ لذا أمّ عمرو بن سلمة قومه وهو ابن ست سنين لأنه أحفظهم للقرآن [3] .

وفي التعليم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يراعي فروق المتعلمين الفردية فيخصهم بعلم دون غيرهم فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ:"يَا"

(1) صحيح مسلم، كتاب الصحابة، باب فضائل أنس، رقم 2482

(2) متفق عليه، صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب زيد بن حارثة، رقم 3730. صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رضي الله عنهما رقم رقم 2426.

(3) القصة بتمامها صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب وقال الليث ... رقم 4302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت