الصفحة 22 من 40

فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا أن يخبر عن غلظ تحريم الغلول؛ لما وجد مناسبة لذلك وهي أن رجلًا من المسلمين فعل ذلك وظنه الصحابة شهيد لأنه قُتل في سبيل، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الرجل غلَّ غلولًا منعه أن يكون شهيدًا وجعله من أهل النار.

ولقد ترجم البخاري في كتاب الجهاد والسير؛ بباب لا يقول فلان شهيد .... [1]

وقال ابن حجر: قَوْله: (بَابُ لَا يُقَالُ فُلَانُ شَهِيدٌ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ إِلاَّ إِنْ كَانَ بِالْوَحْي ....

وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ تَعْيِينِ وَصْفٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ بِأَنَّهُ شَهِيد بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الإِجْمَالِ [2] .

قلت: ومما يؤيد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنكر عليهم قولهم فلان شهيد لا في المرة الأولى ولا الثانية، وإنما أنكر في الثالثة بخصوص الرجل الذي علم من طريق الوحي أنه غل غلولًا، ولم ينكر أصل قول فلان شهيد.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ:"لاَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلاَ الْعِمَامَةَ وَلاَ السَّرَاوِيلَ وَلاَ الْبُرْنُسَ [3] وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ [4] أَوْ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ [5]

(1) .صحيح البخاري 4/ 37

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري 6/ 90 (بتصرف)

(3) هو كل ثوب رأسُه منه مُلْتَزق به من دُرّاعة أو جَبّة أو مِمْطَرٍ أو غيره وهو قَلَنْسُوَة طويلة كان النُّساَك يلبَسونها في صدر الإسلام وهو من البِرْس [انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/ 308]

(4) الوَرْسُ: نَبْتٌ أصْفَرُ يُصْبَغ به. وقد أوْرَس المكانُ فهو وَارِس [النهاية في غريب الأثر 5/ 382]

(5) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله، رقم 134

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت