وكان هذا المفهوم الشامل هو السائد في صدر الإسلام الأول: كل فرد في المجتمع المسلم يعد جنديا من جنود الإسلام، ينبغي إعداده ذلك الإعداد الشامل؛ ليقوم بالواجب تجاه دينه وأمته ومجتمعه.
إلا أنه مع مرور الوقت اتسعت رقعة بلاد الإسلام، وكثرت أعداد الداخلين فيه، فاقتضت طبيعة المرحلة، وظروف الحياة حصر مفهوم الجندية بمصطلحها العسكري في أولئك الأشخاص المنتمين رسميا إلى تلك الأجهزة المسئولة عن حفظ الأمن الداخلي والخارجي للأمة. وبهذا أصبح الجندي المسلم المعني اصطلاحا هو ذلكم الفرد المنتمي إلى جهاز من تلك الأجهزة
إلا أن الإعداد بمفهومه الشامل السابق ذكره، ظل قائ) کا هو؛ لأن العسكرية الإسلامية - وهي أداة مهمة من أدوات نشر الإسلام والمحافظة عليه - يهمها جدا أن يكون من يقوم بهذا العمل الكريم إنسانا متكامل صفات الإنسانية العالية قبل أن يكون عسكريا، هدفه نشر الهدى والنور والحب والسلام، وليس تحقيق النصر العسكري المادي المجرد فهو داعية قبل أن يكون مقاتلا، وإنسانا يفيض بمشاعر الإنسانية قبل أن يكون شجاعا مقداما، وهو حامل لرسالة الهدى قبل أن يكون فاتحا؛ وذلك لأن الجندي المسلم يريد لهذا الدين الذي يحمله إلى العالم أن يبقى في ذلك البلد الذي دخله على يديه وحل فيه، ولن يتحقق هذا إلا إذا كان هذا الجندي يؤمن بتلك القيم العالية لهذا الدين، وأعطى القدوة من نفسه في امتثالها والتحلي بها.