بعضهم بعضا، ومن ثم فإن الخبرات ذات النزعة الكونية في المدن يمكن أن تعمل بوصفها عاملا مكانيا مساعدا لتحويل العنف الفئوي والصراع الفتوى والعمل على ضبطه. وأنا أحاول في هذا الكتاب أن أفحص على سبيل المثال، كيف يخبر المسلمين والأقباط المسيحيون في القاهرة ثقافة متداخلة وكيف يشتركون في الحياة، وفي التواريخ المشتركة - وهو نوع من التداخل والتعايش الاجتماعي الذي يتجاوز لغة الصدام، وهي اللغة التي تسيطر على"العلاقات بين الأديان"عبر العالم. وبجانب قدرتها على إحداث هذا الاختلاط والتداخل بين الأديان والجماعات الإثنية المختلفة، فإن المدن الحديثة - بسبب الكثافة السكانية، ووسائل الاتصال المتقدمة، والتعليم العالي، وتكنولوجيا الاتصال - يمكن أن تسهل عملية تشكل الجماعات المنقسمة على بعضها والمتباعدة عن بعضها في ضوء خطوط دينية وعرقية. إن هذه المشاعر والهموم الجمعية، والانتماء الجمعي لا يجد مكانا ليعبر به عن نفسه أكثر من الشوارع الحضرية. وبعبارة أخرى فإن شوارع المدينة لا تعمل فقط بوصفها فضاء فيزيقيا تتشكل فيه الصراعات وسبل التعبير عنها، أو فضاء تتشكل فيه الجماعات المترابطة وصور التضامن، أو تتبدى فيه"سياسة الشارع"، ولكنها تشكل فضاءات تحمل معني رمزيا، معني يأخذنا بعيدا عن الجوانب الفيزيقية في الشارع ليعبر عن المشاعر الجمعية للأمة والجماعة. وهذا ما أطلق عليه الشارع السياسي، الذي يعبر عن المشاعر الجمعية والعواطف المشتركة، والآراء العامة للأفراد العاديين في تعبيراتهم وممارساتهم اليومية، والتي يتم التعبير عنها من الأماكن العامة - في سيارات الأجرة، والحافلات، والمحلات، والشوارع الجانبية و المظاهرات الجماهيرية في الشارع.