الإمكانية التي تمتلكها سياسة الشارع هي التي تدفع السلطات إلى أن تقسو في سطوتها وفي قهرها الممتد. فبينما يمكن للدولة أن تغلق كلية (جامعة) ، أو أن تمنع حزبا سياسيا من العمل، فإنها لا تستطيع أن توقف بسهولة التدفق العادي للحياة في الشوارع إلا إذا لجأت إلى العنف، أو إلى بناء الحوائط العازلة، ونقاط التفتيش بوصفها عنصرا استراتيجيا للحياة اليومية
ومن هنا فإن الفضاء الحضرى لا يعمل بمثابة مسرح مركزى لصور الجدال السياسية الاجتماعية فحسب، ولكنه يعمل في الوقت نفسه على توفير الشروط التي تحدد ديناميات الصراع وأنماطها وطرق حلها. ولهذا فإن المدن تضع بصماتها الاجتماعية على طبيعة النضالات الاجتماعية وطبيعة الفعل الاجتماعي؛ فهي تفسح لصور من السياسة ذات طبيعة واسعة وضيقة. وعلى سبيل المثال فإن الثورات التي تظهر في صورة"هبات"أو"انتفاضات"لا تنتج فقط عن مسارات تاريخية ولكنها تشكل أيضا عبر جغرافيات معينة، كما أنها تتأثر بمؤثرات مكانية معينة تسهل عملها. ومن ثم فإننا عندما نسأل لماذا تحدث الثورة ومتي تحدث، فإننا يجب أن نسأل أيضا أين تحدث ولماذا تظهر في هذا المكان الذي ظهرت فيه؛ فالمدن بوصفها مواقع لتركز الثروة والقوة والامتياز تعتبر على نحو متزايد مصدرا لصراعات مزمنة ونضالات اجتماعية، واحتجاجات جماهيرية تماما مثلما هي مصدر للتعاون والمشاركة، وما أميل إلى تسميته،"تجسيد النزعة الكونية في الواقع اليومي"every day cosmopolitanism - أي كمكان يختلط فيه أعضاء من جماعات إثنية و عرقية ودينية مختلفة، وتمارس حياة يومية وتخبر نوعا من الثقة تجاه