فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 284

ما تؤديه إليهم الجماعة إنما هو مما ادخره لهم أبوهم لمثل هذا اليوم. لقد كان يعمل من قبل لأبناء غيره مثل ما تعمل الجماعة اليوم لبنيه.

فلم لا تقطع في هذه الأمة يد السارق؟ إنه لا يسرق مال فرد، وإنما يسرق مال جماعة متآخية متكافلة. يسرق ذخر اليتامى وتراث الأرامل، يسرق قوام الحياة للجماعة كلها. ولم لا يجلد الخاطئ الذي يدنس شرف هذه الجماعة ويرميها بالشك القاتل في شرف أنسابها وكرمها؟ ولم لا نُقَطَّع أيدي العصابات المجرمة وأرجلهم من خلاف، وهم يبغون على سلام الجماعة الوريف، وأمنها الذي يغمر العشايا والأبكار، وعلى الحقوق المؤدَّاة في سماحة وأريحية؟!

ألا إن في عدل الله حياة الجماعة ونظامها واستقامتها. فما فيه شائبة من قسوة كما يزعم المفترون الماجنون، وإنما فيه الرحمة التي تأسو كل جرح، وتسد كل ثلمه، وتفرض بتر كل عضو فاسد لو أنه بقى لاستشرى داؤه الوبيل في الجماعة كلها، فضربها بالوهن، وقضى عليها!

ما حدث من خلاف

فإذا هَمَّ بوحدة الجماعة خلاف قضت عليه بالرضا بما يحكم به كتاب الله. هكذا عاشت الجماعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر وعمر وأول عهد عثمان، فما نشبت بينهم خلافات تؤدي إلى قطيعة رحم وتدبير كيد، أو وثوب بحاكم [1] ؛ إذ كان هوى كل مسلم تبعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بلغ نجاح هذه الجماعة قمة الخلود، وما سجل التاريخ لغير هذه الجماعة ما سجله لها من تآخ كريم وفي وَدُود يحرص كل فرد عليه حرصه على نفسه، فإذا مسه طائف من الشيطان تذكر، فأبصر، فأسرع يعترف بذنبه؛ ليقام عليه الحد، فيتطهر، ويجد من نفسه أهلا لمشاركة هذه الجماعة سعيها وكفاحها بعد أن

(1) يحدثنا الشهرستاني عن الخلافات التي وقعت بين الصحابة في مرض النبي وبعد وفاته فيقول: إنها اختلافات اجتهادية كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين. ثم يعدد هذه الخلافات، وهي باختصار: (1) الخلاف حول الكتاب الذي طلب رسول الله أن يكتبه في حال مرضه (2) الخلاف حول تجهيز جيش أسامة (3) الخلاف حول موته، فقد دفع الجزع عمر إلى تكذيب نبأ موته، حتى سمع من أبي بكر، فتطامن حزينا موجعا (4) الخلاف حول مكان دفنه (5) الخلاف حول من يخلف الرسول (6) الخلاف حول فدك (7) الخلاف حول قتال مانعي الزكاة في أول خلافة أبي بكر (8) الخلاف حول عهد أبي بكر إلى عمر بالخلافة (9) الخلاف حول أمر الشورى بعد وفاة عمر، إلى أن استقر رأي الجميع على بيعة عثمان (10) الخلاف الذي نشب بعد عقد البيعة لعلي من بعض الصحابة.

ويقول الشهرستاني عقب هذا عن الصحابة: (وإنما أهم أمورهم الاشتغال بقتال الروم وغزو العجم، وفتح الله الفتوح على المسلمين، وكانوا كلهم يصدرون عن رأي عمر، وانتشرت الدعوة، وظهرت الكلمة ودانت العرب، ولانت العجم) ويقول عن عهد عثمان: (وانتظم الملك، استقرت الدعوة في زمانه، وكثرت الفتوح، وامتلأ بيت المال، وعاشر الخلق على أحسن خلق وعاملهم بأبسط يد) جـ 1 ص 13 وما بعدها الملل والنحل. ط مكتبة الحسين التجارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت