فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 284

والجهاد الصادق في سبيل دعم هذه القيم المقدسة، والفدائية التي تستلهم دائما شرف التضحية وروعتها. تلك كانت من خصائص الجماعة الإسلامية في عهدها الأول. تلك الجماعة التي وحد الإسلام غاياتها الساميات، وجعل منها أمة واحدة تسعى في الوجود هدى، ورحمة وسلامًا ومحبة، أمة تذكر كل إنسان بإنسانيته، وتكشف له عما فيها من خير وصفاء وسمو وإشراق، وتعمل معه؛ لترتبط هذه الإنسانية بتقوى الله وحده، فإذا هي محبة ونور وقوة تؤيد الحق، وتلهم الحياة حب الكفاح الدائب في سبيل إقامتها على أسس سليمة قوية هدى إليها الإسلام وحده، فلا شرك ولا أثرة، ولا حقد، ولا بغضاء، ولا عدوان، ولا تواكل، ولا جبانة؛ لأن هذا الدين الحق الكامل يطهر نفس من يدين به من كل ما يشوب نقاءها الأصيل، ومن كل ما يعدو به الشيطان؛ ليطمس معالم فطرتها الصافية. دين يطلق الفكر من إسار التقليد ووثاق الأوهام وأصفاد الأساطير التي تحول بينه وبين معرفة الحق والوصول إلى اليقين، ويخلص به نجيًّا إلى حيث يفرض الحق عليه سلطانه، ويكشف له عن سرائره وجلاله. دين يشيع في القلوب طمأنينة الخلود ويقين الأبد، فلا تعرف حيرة الشكوك، ولا ضلالة الظنون، ولا كراهية إلا لما يكره الله. دين يحكم النفس رضية بشرعة الله، فلا تستنزلها شهوة، ولا يجمح بها هوى، ولا تطرف عينها لفتنة ناعسة، ولا يظمى إحساسها رغبة هاجسه، ولا تثنيها عن غاياتها السماوية قسوة الكفاح، ولا صم العقبات، ولا تأخذ بها رعدة من قلق، أو زلزلة من خوف؛ لأنها تعمل وهي تكاد تبصر وضاءة العاقبة وفجر المصير الوضيء، فالمصير وعد من الله وهو بيده - سبحانه - وحده، والله قدير، ولا يخلف أبدًا وعده.

تعمل في شعور تام كامل بأنها لله وحده، فلا يستعبدها ذل لبشر، ولا خنوع لوثن. تعمل في دأب لا يخفق به نعاس الخمول، وفي تعال كريم عن الفردية الصماء؛ فما في ذهن المسلم - وهو يعمل - صورة فرديته، وإنما في ذهنه صورة فرد لا يمكن أن ينفصل عن الجماعة، أو تنفصل سعادته عن سعادتها. وبهذا الشعور يحيا كل مسلم ويكافح، وتتجاوب معه الجماعة في هذا الشعور والكفاح، فتبنيه كما يبنيها، وتسعى إليه بحقه، كما يسعى هو إليها بواجبه، فكلاهما يقدس الحق والواجب. فإن وهنت قواه عن العمل، وجد القوى التي تجعل من ضعفه قوة مضاعفة، وإن عجز عن الوصول إلى الغاية، وجد القدرات التي تحيل عجزه قدرة غلابة، دون أن يحس في هذا العون حرجا، أو يستشعر ما يمس كريم حيائه، لأن الجماعة فيما تعنيه به إنما تؤدي إليه حقه، وترد إليه دينه، وإذا قضى نحبَه نَعم أولادُه بالأبوة الرحيمة التي تحمل عنهم الكَلَّ، وتقضى الدين، وتصل ما ظنوا أنه انقطع من الأسباب دون أن يحسوا أَثارة من ذلة؛ لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت