فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 284

أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 4 - 6 [. وألا تقرأ قول الله الذي يهدي به الرسول والبشرية إلى سواء السبيل: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: 9 [. وما هذه من صفات الربوبية الخلاقة المهيمنة، وإنما هي من صفات البشرية النبيلة التي منّ الله عليها بالنبوة. ثم تدبر قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110 [. هذا قبس مشرق من هدى الإسلام في الدعوة إلى إخلاص الدين كله لله، وبهذا نقوم كل أمر ديني تقويما يفصل في جلاء تام بين صفات الربوبية وصفات البشرية، فهذه الآية تثبت وتؤكد بشرية النبي الأعظم الرسول الخاتم، وتنفي عنه نفيا باتا صفات الألوهية، يستوي في هذا ظاهره وباطنه، فإذا كان هذا هو شأن خاتم النبيين والمرسلين، فما بالك بمن هم دونه، وهم لم يشارفوا مقامه الأعظم؟! تأمل كيف جاء في الآية الكريمة"بشر مثلكم"بدلًا من"بشر مثلي"أو"بشر"فحسب فكلمة"مثلكم"هذه تكفي في الهداية إلى الحقيقة التي يتعامى عن رؤيتها الملحدون الحلوليون!! لأنها تهدينا إلى أن بشريتنا هذه التي نمارس غرائزها وعواطفها وميولها، هي عين بشرية محمد صلى الله عليه وسلم، بل تهدينا إلى أن نجعلها لنا مقياسا نقيس به بشرية الرسول الأعظم، حتى نعرف هذه البشرية الطهور معرفة لا يخدع يقينها ظن، ولا يهمس في سمعه ريب، ولو لم تذكر"مثلكم"هذه، لعبث بنا وهمٌ يصور لنا أن بشريته قد تكون من نوع آخر لم نمارس نحن فطرته، ثم تدبر هذا الحصر الدقيق المحكم في قوله جل شأنه: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} ؛ ليشرق الحق الأبلج في قلبك، ولتوقن أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا بشرا مثلنا في ظاهره وباطنه، وأنه بذاته وصفاته يشع منه التعبير الصادق عن البشرية الخالصة التي فطر الله الناس عليها، فليس فيه انفصام يجعل منه بشرا في آن، وإلها في آن آخر، أو يجعله ذا طبيعتين: ناسوت ولاهوت، أو بشرية تكمن فيها الألوهية، كلا! وإلا فليؤمن هؤلاء الذين فسقوا عن أمر الله وهدى الفطرة ويقين الواقع بأننا جميعا بشر وآلهة في وقت واحد؛ لأن محمدا الذي وصفه الله بأنه بشر مثلنا يزعمون له ذلك!! وإذا هم آمنوا بهذا الكفر لم يبق لآلهتهم خصوصية تدعونا إلى أن نخصهم بالعبادة!

إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بشرا، وظل ــــ وهو رسول ـــــ بشرا، وصعد إلى الرفيق الأعلى وهو بشر، وجاء القرآن في إعجازه البلاغي يأمر رسوله أن يؤكد هذه الحقيقة للناس،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت