فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 284

بغمغماتها التي ينفث فيها الشيطان غواية سحره أن تجرد أخي من بقية كان يعتصم بها من دينه، وأن تدنسه بما دنست به فطرتها، فما هي إلا أن تقتلت له بفتونها وأن تؤجج فيه سعير شهوته حتى صار بهائيا، بل من كبار دعاة البهائية"."

وصمت الشاب قليلًا، ثم أفاق ليتابع قصته - وقد شرقت بالدموع كلماته وغص بجنان الشجو صوته - فقال: قلت لك إنني أكرهت على أن ألجأ إلى بيت أخي للأسباب التي ذكرتها لك، والتي كان من أهمها رغبتي في إتمام دراستي. وفي بيت أخي تكشفت لي زوجته عن صدر حنون يسطع منه عبير حب وردى الأحلام، وريا حنان يحيل مأساتي عرسا في ربيع الجنة، فأنسيت أبي وأمي، ورويدا رويدا راحت تنساب في دمي بخمرة بهائيتها، وشعرت أنني أنداح أمامها، وأنه ليس هناك ما يقاومها فيّ سوى أطياف وذكريات. ذكريات الريف الطيب الوديع في عذرى أسماره، وفتنة العبير والنور في نسماته وأسحاره ذكريات المسجد الطهور، وأنا أهتف مع المصلين في صباح العيد: الله أكبر الله أكبر! ذكريات القبل السواحر التي هي أقدس تعبير عن روحانية الحب تحنو بها أمي على وجنتي عقب عودتي من المسجد هازجة بدعائها الطيب: كل سنة وأنت طيب. ذكريات! واهًا لها من ذكريات!! إنها تؤكد لي اليوم أني مضيَّع الدين والحياة. فما أدري على أي دين أنا اليوم". وكان هذا القول الطافح بالشك والحيرة دليلا على أن الشاب يصيح بي من أعماق هاويته، وكان ما بدهني به بعد ذلك من جدل بهائي حجة على أنه ضالع مع البهائية بحاضره حان على الإسلام بخيالاته وذكرياته، فحسب."

مظاهر الشرك: وقلت للتعس الحزين:"إن البهائية تدين بربوبية البهاء وابنه عبدالبهاء ولا أدري كيف يطمئن قلب إلى عبادة رب غافَصهُ الموت. رب كان يسيطر عليه عدوه، ويقضي على مشيئته بوعد تافه، أو وعيد بسوط! ربّ كانت حياته جاسوسية قذرة محتقرة من أجل درهم!"وتململ الشاب قليلا، ثم اندفع يجادلني في موت الإله، فكان مما قاله:

"ألستم تعبدون محمدًا وهو ميت؟!"فقلت:"لك أن ترمي بهذا بعض من ينتسبون إلى الإسلام كابن عربي وأتباعه الصوفية أولئك الذين هم من شياطين وحي البهائية. أما المسلمون الذين يتدبرون القرآن، ويعملون بهديه، فلا يعبدون إلا ربا واحدا هو الله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعتقدون في محمد سوى أنه بشر ورسول، هو خاتم النبيين والمرسلين"فقال الشاب:"قول يخالفه العمل، ودعوى يجحد بها الواقع بكل ما له من مؤكدات الواقعية المحسة. ألا ترى ألوف الألوف منكم يستغيثون بمحمد وآل بيته. في حركاتهم وسكناتهم. في سجوات الليالي، وجلوات الأسحار. في غسق العشايا ووضاءة الأبكار، في نجاوى الإعلان والإسرار، في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت