يكرس - بعد ذلك أربع أو خمس سنوات أخرى دراسة عالية، يحصل بعدها على مؤهل عال يستطيع به أن يضع قدمه على أولى درجات السلم الاجتماعي، ويبقى أمامه سنوات أخرى حتى يؤمن لنفسه مركزًا، ويستعد للدخول في أمر الزواج، وهنا يكون قد تخطى الثلاثين.
وهكذا يقضى على الشاب أن يظل من منتصف العقد الثاني من حياته حتى نهاية العقد الثالث، بين النضج الجنسي والنضج الاجتماعي والاقتصادي، يعانى أزمات جنسية حادة نتيجة للصراع المستمر والكبت الدائم المضني.
وكذلك فتاة اليوم، إن عليها أن تنتظر طويلًا، وطويلًا جدًا قبل أن يطرق بابها خاطب، لأن الشباب منصرف إلى التعليم أولًا، ولأن الحياة الاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة لا يساعدان على تهيئة عش الزوجية بسهولة ويسر. كذلك يتريث أولياء الفتيات في تزويج بناتهم لأول طارق، فالشك في الأخلاق صار قاعدة معمولًا بها، والانحراف راج سوقه، فتظل الفتاة قابعة في بيت أبيها، على حين أن شباب المدينة يركضون سعيًا وراء رزقهم المحرم، أو يدفع الخوف بالفتاة من فوات قطار الزواج إلى الانطلاق للبحث بنفسها عن الزوج المنشود، وقد تتهتك وتبتذل في سبيل ذلك. وربما ساعدها أهلها فألقوا لها الحبل على الغارب، وجلبوا لها أدوات الزينة والملابس الفاضحة، وتركوها تخالط الشباب أملًا في أن تعود إليهم يومًا وفي يدها عريس الغفلة.
إننا بأيدينا نُلجئ الشباب إلى البحث عن مخارج لقضاء وطره خارج الإطار القانوني، ومخالفة الشرع، واحتيالًا على الآباء والأمهات، وخداعًا لهم، وكأنهم بذلك يثأرون ممن ضيق عليهم وحرمهم الحلال، وأذل نفوسهم وحطم كبريائهم بمطالب مادية تفوق القدرة والعقل، وكما منعوهم الزواج في النور أمام الجميع، فهم يأوون إلى الظلام ليتخذوا من أستاره ملاجئ، وإن كانت غير آمنة لإشباع حاجاتهم وإرضاء غريزتهم.
وليت الآباء والأمهات ينتبهون إلى الجرم الذي تقترفه أيديهم حين يضعون الأبناء في هذا الحرج، فيجعلون حياتهم تصير إلى جحيم وخوف، بدلًا من أن يعيشوا في هناءة وأمن متمتعين بحياة أسرية طبيعية ويأوون فيها إلى بيت الزوجية ببركة من الله، ورعاية من الأهل، فيسعدون بالاستقرار والمشاركة الوجدانية، ويبتغون الولد ذكورًا وإناثًا.
هذا وقد أكدت العديد من الدراسات على أن هناك مشاكل عديدة يواجهها الشباب وتكون السبب في لجوئهم إلى الزواج العرفي وبخاصة الظروف الاقتصادية الضيقة التي يعانى منها الشباب.
بالإضافة إلى هذه الظروف الاقتصادية فإن المغالاة في المهور والتكاليف المرتفعة للزواج تمثل سببًا آخر للجوء إلى الزواج العرفي.