وعاش (مصعب) في مكة، يعاني من الفقر والجوع ما يعاني. وعندما أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، خرج (مصعب) فيمن خرج، مفارقًا مراتع صباه، ومواطن عزَّه، واضعًا نصب عينه التمسك بالدين الذي آمن به والتضحية في سبيله.
ولم تكن حالهُ في الحبشة بأفضل من حاله في مكة، فقد ذاق هناك ألم الغربة، وبؤس العيش، وجدب الحياة، فآثر الرجوع إلى مكة، ليواصل منها رحلة الجهاد والصبر وتحمل البلاء.
أول سفير للإسلام:
وقد شاء الله بعد أن اختبر صدق المؤمنين في مكة - أن يفتح للمسلمين بابا من الأمل، فأسلم نفر من أهل يثرب في موسم الحج، وبايعوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - بيعة العقبة الأولى، ورغب الرسول الكريم في أن يمكن للإسلام في يثرب، فأرسل مع النفر الذين أسلموا شابًا صالحًا ذكيًا شجاعًا هو (( مصعب بن عمير ) )ليقرئهم القرآن، ويعلمهم مبادئ الإسلام، ويقوم بنشره بين أهل يثرب.
وهناك نزل مصعب على (( أسعد بن زرارة ) )وأخذ يدعو المشركين إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان يتنقل في يثرب من دار إلى دار، ومن ندوة إلى ندوة، تالي القرآن ذاكر ما يحفظ من أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضاربا المثل الطيب في العبادة والتقوى.
ولم يكن يمَّر يوم دون أن يسلم الرجل أو الرجلان، ولم يترك بيتا إلا ترك فيه أثرًا طيبًا.
وقد أسلم على يديه في يوم واحد (سعد بن معاذ) و (أسيد بن خضير) من كبار زعماء يثرب، وأسلم بإسلامها خلق كثير.
واستمر (مصعب) قرابة عام في يثرب، لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها صوت للإسلام يتردد.
ومع استدارة العام، وخروج يثرب إلى مكة - عاد مصعب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبشره بما فتح الله عليه، ففرح الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعودته، وبما فتح الله عليه، فرحا عظيما.
ولما علمت أم مصعب بعودته أرسلت إليه تقول له: (( ياعاق أَتقْدِم بلدًا أنا فيه ولا تبدأ بي؟ ) )فأجاب رضي الله عنه: (( ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
نائب القائد الأعلى في بدر
وهاجر (مصعب) رضى الله عنه الهجرة الأخيرة إلى المدينة قبل هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باثنتي عشر ليلة، ليكمل - مع المسلمين - نشر الدعوة الإسلامية في مرحلتها الجديدة.
ولما كانت بدر في السنة الثانية للهجرة، وكان (مصعب) من قادتها وأبطالها الميامين، وعند خروج الجيش من المدينة، كافأ الرسول صلى الله عليه وسلم (مصعبًا) جزاء ما قدم لدعوة الله، فدفع إليه لواء القيادة العامة التي يتولاها - صلى الله عليه وسلم - بنفسه.