وعادت منهمكة مذعورة إلى ولدها ولشد ما أصابها الدهش حين رأت وعد الله قد أنجز ودعوة إبراهيم قد استجيبت. فالماء بين قدمي الصغير ينساب من بئر زمزم .. إنها لا تصدق عينها ولكنه الواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره.
ولم تطل وحدة هاجر فهذا ركب يمني حاشد، من قبيلة تدعى جرهما، يقطع الصحراء فيمرون على مقربة من مكان هاجر ويرون الطير تحوم من حوله فيوقنون أن به ماء ويقصدونه، ويتمنون المقام به ويستأذنون هاجر في الإقامة معها فتأذن.
وتمضى الأيام وعين الأم وقلبها على ولدها وعناية الله ترعاها وترعاه.
الامتحان الرهيب:
وذات ليلة فاجأت الرؤيا الصادقة إبراهيم تأمره أن يذبح ولده إسماعيل. وتوجه إبراهيم إلى ولده يقص عليه ما رأى، وقال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ فرد إسماعيل: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} وأسلم نفسه وطلب من أبيه أن يشد وثاقه وأن يطرحه على صدره حتى لا يرى السكين وأن يحدها جيدًا وأن يسرع إمرارها على رقبته حتى لا تأخذه الشفقة فيتردد فيخالف أمر الله ورجاه أن يبلغ أمه السلام وأن يقوم بالتسرية عنها بعد ذبحه.
فلما شد (إبراهيم) ابنه على النحو الذي طلبه منه أمر الله السكين فكلت عن القطع وحار إبراهيم في الأمر وأحس أن الله سبحانه قد رحم هذا الابن المطيع، وسرعان ما انكشفت حيرته حين رأى أمامه كبشًا عظيما - وسمع نداء علويا يرتفع بالثناء عليه، وبأن الله أنزل هذا الكبش فداء لإسماعيل فأسرع إليه إبراهيم يذبحه.
وفرج الله -بهذا- الكرب عن الوالد والولد معا.
وقد سجل القرآن الكريم هذه القصة ونهايتها فقال تعالى:
{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} .
عتبة البيت:
وعاش إسماعيل في هذا المكان، واختلط في طفولته وصباه بأبناء جرهم فتعلم منهم العربية وأحبهم وأحبوه، فلما صار شابا تزوج منهم وعاش معهم سعيدا بأمه وسعيدا بهم.
لكن المنية نزلت بأمه فامتلأ قلبه بالأسى لفراقها وسأل الله تعالى أن يجزيها على جهادها وصبرها خير الجزاء.
وبين الحين والحين، كان سيدنا إبراهيم يكابد مشقة السفر بين فلسطين ومكة ليزور ابنه ويتفقد أحواله.
وفي إحدى هذه الزيارات، لم يجد (إسماعيل) بالبيت فسأل زوجته عنه وعن شئون حياتهما، فأجابته