الصفحة 18 من 26

ومما علم يقينا أن المجتهدين من الصحابة والتابعين كانوا على دراية به بالسليقة لكن من جاء بعدهم لا سيما بعد تأليف الإمام الشافعي رحمه الله لرسالته صار يعلم بالدراسة والطلب، فصار العلماء في المشرق والمغرب يتعلمون هذا العلم، فكان المجتهدون حتى من تقيدوا بمذهب من المذاهب على دراية به، نظرا لسعيهم الحثيث في طلبه.

المبحث الثالث: شروط المجتهد المتعلقة بالحادثة الشرعية.

إذا عرضت النازلة على المجتهد فلا بد أن يستوعب كل مجرياتها، وحيثياتها قبل أن ينزل الحكم عليها، وإلا فإنه قد يجيب فيها بما يقتضيه الجواب في نازلة سواها، ولذلك اشترط العلماء في المجتهد شروطا مرتبطة بهذا الأمر، لئلا يفتي المجتهد، بخلاف ما يقتضيه صحيح الجواب، فيكون حينها بمنأى عن الصواب.

المطلب الأول: ما يتعلق بفهم الحادثة الشرعية

ذكر علماء الأصول أثناء حديثهم عن شرائط الاجتهاد شروطا الغاية من ذكرها فهم الحادثة الشرعية إذ هي مرحلة أولية قبل الحديث عن تنزيل الحكم الشرعي عل تلك الحادثة.

أولا: الفطنة والذكاء

من جملة الشروط التي أشار إليها المؤلف أن يكون المجتهد على قدر كبير من الفطنة والذكاء وسرعة البديهة، وجودة القريحة، حتى يمكنه فهم النازلة وكيفية تنزيل الحكم عليها.

وقد حكى المؤلف هذا الشرط عن الماوردي وإلكيا الطبري [1] ، وعلماء الأمة بصفة عامة لم يكونوا إلا ذوي فطنة وذكاء، يكاد يفوق الوصف، ولذلك لم تنطل عليهم الألاعيب، إذ كانوا أعجوبة الأعاجيب، يقول الخطيب البغدادي وهو يتحدث عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي:"ذو القدم السابقة وصاحب النية الصادقة والفهم الراجح والفضل الواضح والمجد الشامخ والسناء الباذخ والفطنة الدقيقة والقريحة العميقة والعقدة الوثيقة واستقامة الطريقة" [2]

(1) المصدر السابق.

(2) الاحتجاج بالشافعي للخطيب البغدادي 1/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت