وذكر هذا الشرط الأسنوي وعده سادس شروط الاجتهاد، فقال: السادس: علم العربية من اللغة والنحو والتصريف؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية الدلالة، فلا يمكن استنباط الأحكام منها إلا بفهم كلام العرب إفرادا وتركيبا, ومن هذه الجهة يعرف العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز, والإطلاق والتقييد، وغيره مما سبق" [1] ولا يشترط أن يكون قد بلوغ في ذلك النهاية، أو أن يكون مجتهدا في علوم اللغة العربية، إذ علومها كثيرة متنوعة بلغت اثني عشر علما، ويتعذر بلوغ الاجتهاد في كل ذلك، قال الزركشي: فليعرف القدر الذي يفهم به خطابهم وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله ومبينه، وعامه وخاصه، وحقيقته ومجازه" [2]
ثم نقل المؤلف هاهنا ما أشار إليه أبو إسحاق الإسفرايني قائلا: قال الأستاذ أبو إسحاق: ويكفيه من اللغة أن يعرف غالب المستعمل، ولا يشترط التبحر، ومن النحو الذي يصح به التمييز في ظاهر الكلام، كالفاعل والمفعول والخافض والرافع وما تتفق عليه المعاني في الجمع والعطف والخطاب والكنايات والوصل والفصل ولا يلزم الإشراف على دقائقه" [3] "
ثم إن اللسان العربي يكسب المجتهد قدرة على فهم آيات الله البينات، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول ابن تيمية:"العرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني، جمعا وفرقا، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، إذا شاء المتكلم الجمع ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجده من لغتهم في جنس الحيوان، فهم - مثلا - يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره: من الأصوات، والأولاد، والمساكن، والأطفال إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي، التي لا يستراب فيه" [4]
ولم يكتف العلماء بالنص على ضرورة تعلم اللغة العربية للمجتهد، بل أوجبوا ذلك حتى على غيرهم، قال الإمام الشافعي:":على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه"وقال أيضا:"معرفة لسان العرب فرض على العموم في جميع المكلفين،" [5] وقد عقب المؤلف على ذلك ببيان أن تعلم اللسان العربي في حق المجتهد آكد فقال:"إلا أنه في حق المجتهد على"
(1) نهاية السول للأسنوي 1/ 398.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1/ 447.
(5) نقلا عن الزركشي في المصدر السابق.