ثم قال رحمه الله:
لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطُّهر. فذات العادة المتقرِّرةِ تعمل عليها. وغيرُها ترجع إلى القرائن، فدمُ الحيض يتميز عن غيره. فتكون حائضًا إذا رأت دمَ الحيض، ومستحاضةً إذا رأت غيرَه. وهي كالطاهرة، وتغسل أثر الدمِ وتتوضأ لكل صلاة. والحائض لا تصلي ولا تصوم ولا تُوطَأ حتى تغتسل بعد الطُّهر، وتقضي الصيام.
فصل: والنفاس أكثره أربعون يومًا، ولا حدَّ لأقله. وهو كالحيض.
الحيض في اللغة: السيلان؛ يقال: حاض الوادي إذا سال، وشرعًا: هو سيلان دم عرق في قعر الرحم، وهو دم طبيعة عند المرأة، جعله الله تعالى من علامات البلوغ، وغذاء للجنين، وسيذكر المصنف رحمه الله ما يتعلق بعلاماته وأحكامه.
-أما تحديد زمن الحيض فـ لم يأت في تقدير أقله وأكثره: أي أقل وأكثر سن للحيض، وأقل وأكثر أيام للحيض ما تقوم به الحجة: وهو الدليل الشرعي المعتبر، وإنما اعتبر كل من حدد شيئًا من ذلك غالب عادة نساء بلده، وقال عامة أهل العلم: لا يزيد الحيض عن خمسة عشر يومًا، وكذلك الطُّهر: لم يرد تحديد أقل أيامه ولا أكثرها في الدليل الصحيح، وإنما الذي ورد تعليق الحيض بالعلامة المميزة، كما في قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) ، فيحدد بأمرين:
الأول: بالعادة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش:"فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنكِ الدم وصلي"، رواه البخاري، فذات العادة المتقرِّرةِ: أي المتكررة تعمل عليها، فإذا كان عادة الحيض والطهر عند المرأة أن يأتيها الحيض سبعة أيام والطهر ثلاث وعشرين يومًا فتعمل بذلك، وغيرُها إن لم تكن لها عادة منتظمة رجعت إلى:
الثاني: بالتمييز، فدم الحيض له علامات مميزة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش:"إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف؛ فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة"، رواه أبو داود والنسائي، فـ ترجع إلى القرائن، فدمُ الحيض يتميز عن غيره، وتمييزه بخمسة أوصاف، قال الناظم:
باللونِ والريحِ وبالتألمِ ... وغلظةٍ وقلةٍ مَيز الدمِ
فدم الحيض لونه أسود، وريحه منتن، ويخرج مصحوبًا بآلام في الظهر غالبًا، ويكون غليظًا وقليلًا، فتكون حائضًا إذا رأت دمَ الحيض، فالقاعدة أن أي دم في وقت العادة حيض، والدم المميز خارج وقت