الدوران والتجربة:
والدوران عند الأصوليين هو التجربة، وهو دليل على العلة في العلوم التجريبية مثل الطب وغيره، حتى أنه إذا تكررت التجارب وكثرت أفادت القطع واليقين في هذه العلوم، قال الإمام القرافي في نفائس الأصول (قال النقشواني: الدوران عين التجربة، وقد تكثر التجربة فتفيد القطع، وقد لا تصل إلى ذلك، كما نقطع بأن قطع الرأس مستلزم للموت، ونظنه مع السم) [1] .
والناس يعتبرون تجربة الأدوية دليل يأخذون به فإذا رأو أن الشفاء والبرء من مرض ما يتم عند استعمال دواء معين، ولا يتم عند عدم استعماله، كان ذلك دليلًا عندهم على أن هذا الدواء هو السبب في الشفاء، فإذا تكرر حدوث ذلك أفاد اليقين بتأثير الدواء، وسعوا الي تحصيله. قال صفي الدين الهندي في نهاية الوصول (العقلاء بأسرهم مع إختلاف عقائدهم يفزعون إلى التجربة في أمر الأدوية والأغذية، فإنهم لما رأوا أن الأثر الفلاني يحصل عند إستعمال الدواء الفلاني ولم يحصل عند عدم استعماله، فزعوا إليه عندما أرادوا تحصيل ذلك الأثر، ولولا غلب على ظنهم أنه السبب لذلك الأثر لما فزعوا إليه عند إرادة تحصيله) [2]
وقال القرافي في شرح تنقيح الفصول (ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والقابضة وجميع ما يعطونه من المبردات وغيرها بسبب وجود تلك الآثار عند
(1) نفائس الأصول، ج 8، ص 3345.
(2) نهاية الوصول في دراية الأصول، صفي الدين الهندي، ص 3352