وليحذرِ المعلِّمُ كلَّ الحذر مِن قصْده التكثُّرَ بكثرة المشتغلين عليه، والمختلفين إليه، وليحذرْ من كراهته قراءةَ أصحابه على غيره ممَّن ينتفع به، وهذه مصيبة يُبتلَى بها بعضُ المعلمين الجاهلين، وهي دلالةٌ بيِّنة من صاحبها على سوء نيَّته، وفساد طويته، بل هي حُجَّة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجهَ الله -تعالى- الكريم، فإنَّه لو أراد الله بتعليمه لَمَا كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردتُ الطاعة بتعليمه وقد حصلتْ، وقد قصد بقراءته على غيري زيادةَ علم فلا عتبَ عليه.
وقد رُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَع على حِفظه وإمامته أبي محمَّدٍ الدارمي - رحمة الله عليه - عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: أنَّه قال: يا حملةَ القرآن، أو قال: يا حملةَ العلم، اعملوا به، فإنَّما العالِم مَن عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلمَ لا يجاوز تَرَاقِيَهم [1] يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا [2] ، يُباهي بعضُهم بعضًا حتى إنَّ الرجل ليغضبُ على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعَه، أولئك لا تَصعد أعمالُهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى، وقد صحَّ عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه: أنَّه قال: وددتُ أنَّ الخَلْق تعلَّموا هذا العلم - يعني: عِلمَه وكتبه - وألاَّ ينسب إليَّ حرف منه.
ويَنبغي للمُعلِّم أن يتخلَّق بالمحاسن التي ورد الشَّرْع بها والخصال الحميدة، والشيم المرضية، التي أرشده الله إليه من الزَّهادة في الدنيا، والتقليلِ منها، وعدمِ المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود، ومكارم الأخلاق، وطَلاقة الوجه مِن غير خروج إلى حدِّ الخلاعة، والحِلْم والصبر، والتُّنزُّه عن دنيء المكاسب، ومُلازمة الورع والخشوع، والسكينة والوقار، والتواضع والخضوع، واجتناب الضَّحِك والإكثارِ من المزاح، وملازمة الوظائف الشرعية، كالتَّنظيف بإزالة الأوساخ، والشعور التي ورَدَ الشرع بإزالتها، كقصِّ الشارب، وتقليم الظفر، وتسريح اللحية، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة.
وليحذرْ كلَّ الحذر من الحَسَد والرياء، والعُجب واحتقار غيره، وإن كان دونَه.
(1) الترقوة: بفتح التاء: مُقدَّم الحَلْق في أعلى الصدر حيثما يترقى فيه النفس، والجمع، التراقي؛ انظر القاموس، مادة"ترق"، ومادة"رقوة".
(2) حلق: جمع حلقة.