جميع ما ذكرْناه من آداب المعلِّم في نفسه آدابٌ للمتعلِّم.
ومن آدابه: أن يجتنب الأسبابَ الشاغلة من التحصيل، إلاَّ سببًا لا بدَّ منه للحاجة.
وينبغي أن يُطهِّر قلبه من الأدناس؛ ليصلحَ لقَبول القرآن، وحِفظه واستثماره، فقد صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( ألاَ إنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلحتْ صلح الجسد كلُّه، وإذا فَسَدتْ فسد الجسدُ كلُّه، ألاَ وهي القلْب ) ).
وقد أحسن القائل بقوله: يُطيَّب القلْب للعلم كما تُطيَّب الأرض للزراعة.
وينبغي أن يتواضع لمعلِّمه، ويتأدب معه، وإن كان أصغرَ منه سِنًّا، وأقلَّ شهرة ونسبًا، وصلاحًا، وغير ذلك، ويتواضع للعِلم، فبتواضعه يدركه، وقد قالوا نظمًا:
الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى الْمُتَعَالِي = كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي
وينبغي أن ينقادَ لمعلِّمه، ويشاورَه في أموره، ويَقبلَ قوله كالمريض العاقل يقبل قولَ الطبيب الناصح الحاذق، وهذا أوْلى.
ولا يَتعلَّم إلاَّ ممن تكملت أهليتُه، وظهرتْ دِيانته، وتحقَّقت معرفتُه، واشتهرتْ صيانته، فقد قال محمد بن سيرين، ومالك بن أنس، وغيرهما من السَّلف: هذا العِلم دِين، فانظروا عمَّن تأخذون دِينكم.
وعليه أن ينظرَ معلِّمَه بعين الاحترام، ويعتقد كمالَ أهليته، ورجحانه على طبقته، فإنَّه أقربُ إلى انتفاعه به، وكان بعضُ المتقدِّمين إذا ذهب إلى معلِّمه تصدَّق بشيء، وقال: اللهم استرْ عيبَ معلِّمي عني، ولا تُذهب بركةَ علمه مني.
وقال الربيع - صاحب الشافعي - رحمهما الله: ما اجترأتُ أن أشربَ الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ؛ هيبة له.
وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: مِن حقِّ المعلِّم عليك أن تسلِّم على الناس عامَّة، وتخصَّه دونهم بتحية، وأن تجلسَ أمامه، ولا تشيرنَّ عنده بيدك، ولا تغمزنَّ بعينيك، ولا تقولنَّ قال فلان خلافَ ما تقول، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا تشاور