جليسَك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلحَّ عليه إذا كَلَّ، ولا تعرض أيَّ تشبُّع من طول صحبته.
فينبغي أن يتأدَّب بهذه الخصال التي أرشد إليها عليٌّ - كرَّم الله وجهه - وأن يردَّ غِيبة شيخه إن قدر، فإن تعذَّر عليه رَدُّها، فارَقَ ذلك المجلس.
ويدخل على الشيخ كاملَ الخصال، متصفًا بما ذكرْناه في المعلِّم، متطهرًا مستعملًا للسواك، فارغَ القلْب من الأمور الشاغلة، وألاَّ يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخُ في مكان يحتاج فيه إلى استئذان.
وأن يسلم على الحاضرين إذا دخل، ويخصَّه دونهم بالتحية، وأن يُسلِّم عليه وعليهم إذا انصرف، كما جاء في الحديث: (( فليستِ الأُولى أحقَّ من الثانية ) )، ولا يتخطَّى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، إلاَّ أن يأذنَ له الشيخ في التقدُّم، أو يَعلم من حالهم إيثارَهم ذلك، ولا يُقيم أحدًا من موضعه، فإن آثره غيرُه لم يقبلْ؛ اقتداءً بابن عمر - رضي الله عنهما - إلاَّ أن يكون في تقديمه مصلحةٌ للحاضرين، أو أَمَرَه الشيخ بذلك، ولا يجلس في وسط الحلقة، إلاَّ لضرورة، ولا يجلس بين صاحبَين بغير إذنهما، وإن فسحَا له قعد وضمَّ نفسه.
وينبغي أيضًا أن يتأدَّب مع رفقته وحاضري مجلس الشيخ، فإنَّ ذلك تأدُّب مع الشيخ، وصيانة لمجلسه، ويقعد بين يدي الشيخ قعدةَ المتعلِّمين، لا قعدة المعلِّمين، ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، ولا يضحك ولا يُكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا بغيرها، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا من غير حاجة، بل يكون متوجِّهًا إلى الشيخ، مصغيًا إلى كلامه.
ومما يتأكَّد الاعتناءُ به ألاَّ يقرأَ على الشيخ في حال شُغل قلْب الشيخ ومَلله، وروعه وغمِّه، وفرحه وعطشه، ونُعاسِه وقَلقِه، ونحو ذلك مما يشقُّ عليه، أو يمنعه من كمال حضور القلْب والنشاط، وأن يغتنمَ أوقات نشاطه.
ومن آدابه: أن يتحمَّلَ جفوةَ الشيخ وسوءَ خُلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمتِه واعتقاد كماله، ويتأوَّل لأفعاله وأقواله التي ظاهرُها الفساد تأويلاتٍ صحيحةً، فما يَعجز عن ذلك إلاَّ قليلُ التوفيق أو عديمُه، وإن جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أنَّ الذنب له، والعتب عليه، فذلك أنفعُ له في الدنيا والآخرة، وأنقى لقلْب الشيخ.