الباب الثاني
أ - في آداب معلم القرآن
قد تقدَّم جُمل منه في الباب الذي قبل هذا.
ومن آدابه: أن يكونَ على أكملِ الأحوال، وأكرم الشمائل، وأن يرفعَ نفسَه عن كلِّ ما نهى القرآن عنه؛ إجلالًا للقرآن، وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب، شريفَ النفس، مرتفعًا على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون مُتخشِّعًا، ذا سكينة ووقار.
فقد جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: أنَّه قال:"يا معشرَ القُرَّاء، ارْفعوا رؤوسكم، فقد وَضَح لكم الطريق، فاستبقوا الخيرات، لا تكونوا عيالًا على الناس".
وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:"ينبغي لحامِلِ القرآن أن يُعرَفَ بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطِرون، وبحُزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصَمْته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يَختالون".
وعن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال:"إنَّ مَن كان قبلكم رأَوُا القرآن رسائلَ من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار".
وعن الفُضَيل بن عِياض - رحمه الله - قال:"ينبغي لحامل القرآن ألاَّ تكونَ له حاجةٌ إلى أحد من الخلفاء فمَن دونهم".
وعنه أيضًا قال:"حامِلُ القرآن حاملُ راية الإسلام، لا يَنْبغي أن يلهوَ مع مَن يلهو، ولا يسهوَ مع مَن يسهو، ولا يلغوَ مع مَن يلغو؛ تعظيمًا لحق القرآن".
ومن أهمِّ ما يؤمر به: أن يَحذرَ كلَّ الحذر من اتِّخاذ القرآن معيشةً يتكسب بها، فقد جاء عن عبدالرحمن بن شبيل - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( اقرؤوا القرآنَ، ولا تأكلوا به، ولا تَجْفوا عنه، ولا تَغْلُوا فيه ) ).
وأما أخْذ الأُجْرة على تعليم القرآن، فقد اختلف العلماء فيه، فحكى الإمام أبو سليمان الخطَّابي منعَ أخْذ الأجرة عليه عن جماعة من العلماء؛ منهم الزهري وأبو حنيفة، وعن جماعة أنَّه يجوز إن لم يشترطه، وهو قول الحسن البصري والشعبي وابن سيرين.