وذهب عطاءٌ ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارَطه واستأْجَره إجارةً صحيحة، وقد جاء بالجواز الأحاديثُ الصحيحة.
وينبغي أن يحافظَ على تلاوته ويُكثِر منها، وكان السلف - رضي الله عنهم - لهم عاداتٌ مختلفة في قدر ما يختمون فيه:
فرُوي عن بعض السلف - رضي الله عنهم: أنهم كانوا يَختِمون في كلِّ شهرين خَتْمة واحدة، وعن بعضهم في كلِّ شهر خَتْمة، وعن بعضهم في كلِّ عشر ليالٍ ختمة، وعن بعضهم في كلِّ ثمان ليال، وعن الأكثرين في كلِّ سبع ليال، وعن بعضهم في كلِّ ستّ، وعن بعضهم في كلِّ خمس، وعن بعضهم في كلِّ أربع، وعن كثيرين في كلِّ ثلاث، وعن بعضهم في كلِّ ليلتين، وختم بعضُهم في كلِّ يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم ثلاثًا، وختم بعضُهم ثمان ختمات؛ أربعًا بالليل، وأربعًا بالنهار.
والاختيار: أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمَن كان يظهر له بدقيق الفِكر لطائفُ ومعارف، فلْيَقتصرْ على قدرِ ما يحصل له كمالُ فَهْم ما يقرؤه، وكذا مَن كان مشغولًا بنشْر العلم، أو غيره من مهمَّات الدِّين، ومصالح المسلمين العامة، فليقتصرْ على قدر لا يحصل بسببه إخلالٌ بما هو مرصود له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين، فليستكثرْ ما أمكنَه من غير خروج إلى حدِّ الملل والهذرمة.
وقد كَرِه جماعة من المتقدِّمين الختْم في يوم وليلة، ويدلُّ عليه الحديث الصحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا يَفقُه مَن قرأ القرآن في أقلَّ من ثلاث ) )؛ رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وغيرهم، قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح، والله أعلم.
وأما وقت الابتداء والختْم لِمَن يختم في الأسبوع: فقد روى أبو داود أنَّ عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان يفتتح القرآنَ ليلةَ الجمعة، ويختِمه ليلةَ الخميس، ورُوي عن عمر بن مرة التابعي قال: كانوا يحبُّون أن يختم القرآن من أوَّل اللَّيْل أو من أول النهار.
وعن طلحة بن مصرِّف - التابعي الجليل - قال: مَن خَتَم القرآن أيَّةَ ساعة كانت من النهار صلَّتْ عليه الملائكة حتى يُمسي، وأيةَ ساعة كانت من الليل صلَّتْ عليه الملائكة حتى يُصبح، وعن مجاهد مِثْلُه.