ملك للرسالة التي يُؤدِّيها في عمارة الكون باعتباره خليفة في الأرض، على عكس المجتمعات البشرية التي ترى أن الإنسان حرٌّ في نفسه يفعلُ بها ما يشاء، ومن هنا فقد حرَّم الإسلام على المسلم استعمالَ كل ما يُغيِّب العقل من شراب مُسكرٍ، أو مُخدِّرات، أو غير ذلك؛ حتى يحتفظَ بهذه النِّعمة الكبرى، ومن زاوية أخرى فإن الإنسان إذا غاب عقلُه ارتكب أشياء تعودُ بالضرر على الفرد وعلى الأسرة، ثم على المجتمع كله، ولو تصوَّرنا شعبًا من السُّكارى، لأدركنا ما يكون عليه حال هذا الشعب من فقدِ الأمن والسعادة والطمأنينة، إلى جانب الإصابة بالجنون والأمراض العصبية والنفسية والجسمية.
وكثير من الدول أدرك هذه الخطورة، وقامت محاولات شتى لمنع هذا الشراب أو الإقلال من استخدامه، ولكن دون جدوى.
وأمريكا قامت في هذا المجال بتجرِبةٍ تتلخَّص في أنها شرعت قانونًا يحرِّم الخمر عام 1930 - بعد دعايةٍ واسعةٍ عن طريق أجهزة الدعاية والإعلام، مدعومة بالإحصاءات الدقيقة والبحوث العلمية والطبيعية - واشترك في هذه الحملة كثير من الخبراء في جميع المجالات الصحية، والنفسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأُنفِق على الدعاية 65 مليونًا من الدولارات، وقُتِل في سبيل تنفيذ القانون حتى عام 1933 مائتا شخصٍ، وبلغت الغرامات التي جُمِعت من المخالفين مليونين من الدولارات، كما صُودِرت أموال بسبب المخالفات تُقدَّر بستِّمائة مليون دولار، ومع هذا كله، فقد فشِلت الولايات المتحدة في تنفيذ هذا القانون فشلًا ذريعًا، الأمر الذي جعلها تقوم بإلغائه في أواخر عام 1933.
ولكن التجرِبة الإسلامية نجحت نجاحًا رائعًا بدون إراقة دماء، أو حبس للشاربين، أو تحصيل غرامات؛ ذلك لأنها بدأت بتقويةِ الوازع الديني عند الفرد وعند المجتمع، فأصبح للضمير سلطانٌ كبيرٌ على النفوس، وهم يريدون إرضاء ربهم؛ ولذلك فحين نزلت الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90، 91] ، كان جوابُ المؤمنين على هذه الآية الكريمة: انتهينا ربَّنا، انتهينا ربنا، ولم يكن الكلامُ باللسان، بل إنهم أراقوا زجاجات الخمر امتثالًا لأمر الله، وكان الواحد منهم إذا كان الكأس في يده وقد شرِب بعضها، نزع الكأس مِن فيه وأفرغها على الأرض.