الميتافيزيقا ... المُفارقة
التوجّه ... اللاّتوجّه
الجدول رقم:1. [1]
وبهذا، تتبين أشكال التضاد بين المرحلتين التي قمنا بمعاينتهما، ونلاحظ الثورة التي قامتها ما بعد الحداثة على الحداثة، وذلك في مختلف المجالات والمناحي، على اعتبار أن المرحلة الثانية هي محاولة تبنٍّ لكل ما يناقض المرحلة الأولى، والحال كذلك، وفي هذه المرحلة (أي ما بعد الحداثة) ، ستظهر الفلسفة التقويضية، بما هي فلسفة التشكيك وتقويض كل التمركزات، سواء التي ظهرت في مرحلة الحداثة، أو التي تمتد إلى أقدم من ذلك؛ أي منذ الفلسفة السقراطية.
لم تظهر التقويضية صدفةً، بل ظهرت بسبب مجموعة من الإرهاصات التي تخللت مرحلة الحداثة، وزعزعتها في الوقت نفسه، ولقد ساهمت هذه الإرهاصات، بشكل كبير، في ظهور مرحلة ما بعد الحداثة، ويمكن تجلية هذه البوادر على نحو الآتي:
• الجروح الثلاثة
• كوبرنيك: وهو الذي"قوض مركزية الأرض التي قال بها بطليموس وتبنتها الكنيسة، وهي النظرية التي كانت قد عودت الإنسان على الحياة في عالم مغلق هو له بمثابة المركز. وهو بذلك يكون قد قوض مركزية الإنسان، وكشف له أنه هو وكوكبه لا يمثلان سوى نقطة لا متناهية الصغر وعديمة الشأن في بحر المجرات والأفلاك الذي لا قرار له" [2] .
• داروين: وقد سببت نظرية هذا العالم في إذلال الكائن البشري وإهانته"حينما بيّنت انتماءَهُ إلى عالم الحيوان، عالم يحكمه الصراع من أجل البقاء" [3] ، وهذا يعني إسقاط الإنسان من برجه العاجي، حين كان يظن أنه أرقى المخلوقات وأسماها شأنا، وقد أثرت نظرية داروين، على الرغم من هذا الجرح
(1) - المرجع السابق، الصفحة: 16 - 17. ولقد قمنا بشيءٍ من التصرف في هذا الجدول، نظرا لضعف الترجمة في الكتاب المأخوذ عنه.
(2) - علي صديقي، إشكالية التحيز في النقد العربي المعاصر، دار كنوز المعرفة، الأردن، عمان، الطبعة الأولى، 2016 م، ص: 75 - 76.
(3) - المرجع نفسه، الصفحة: 76.