الصفحة 6 من 27

تعد هاتان المرحلتان من أهم المراحل التي شهدها الفكر الأوروبي منذ بداياته، فلقد أثارتا جدالا واسعًا على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية ... ؛ لأن كل مرحلة من هذه المرحلتين تتسم بمجموعة من السمات والخصوصيات التي تُبين الكيفية التي تتطور بها عقل الإنسان الأوروبي، وكيف استطاع الانتقال من مرحلة إلى أخرى في ظل هذه التحولات.

-الحداثة

يمكن القول إنّ الحداثة انطلقت"مع الأحداث التاريخية الكبرى [كـ] اكتشاف العالم الجديد من طرف كريستوف كولومبوس سنة 1492، وسقوط بيزنطة 1453 ... وأحداث علمية وتقنية هامة [كـ] اكتشاف الطباعة مع غوتنبرغ سنة 1440، [ ... ] واكتشاف الدورة الدموية ... وأحداث فكرية محددة" [1] ولكنها ظهرت، بشكل بارز، بـ"إيطاليا زمن"عصر النهضة"حيثُ ازدهرت الفنون والعلوم والآداب، وقامت حركة النهضة باستعادة فكر اليونان وفكر روما القديمة، وبدأت هذه الدينامية في السريان عبر بلدان أوروبا الغربية" [2] بشكل جعل منها تستوعب جغرافيةً واسعة من هذه القارة، وتتميز هذه المرحلة، أي مرحلة الحداثة، في كونها تعتمد منظورا بنيويا يشمل جميع مناحي الحياة، فالإنسان، في هذه المرحلة، حاول أن يخضع العلوم لمسألة الواحدية؛ أي حاول أن يتعامل مع هذه العلوم على أنها خاضعة لمنطق واحد ومتماسك، من خلاله يستطيع الإنسان معاينة كل العلوم عن طريق بنيوية واحدية.

وفي جميع الحالات تم"إيلاء الإنسان قيمة مركزية نظرية وعلمية. ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الإنساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات. وتم إرجاع كل معرفة إلى الذات المفكرة أو الشيء المفكر" [3] ، وهذا يعني أن الإنسان أصبح المِحكَّ في هذه الفترة، وأصبح سيد العالم والطبيعة، وهو الذي يستطيع أن يخضع الأخيرة لتدخلاته وكأنها"لا يمكن أن تسلم قيادها وتكشف أسرارها إلا نتيجة تدخل ميتافيزيقي للذات البشرية نفسها" [4] ، وبذاك أصبح العلم نتيجة لتدخل الذات، ونتيجة إنشاء وإعداد نظري وافتراض منهجي فقطّ.

(1) - محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، المغرب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000 م، ص: 22.

(2) - المرجع نفسه، الصفحة: 44.

(3) - المرجع نفسه، الصفحة: 13.

(4) - المرجع نفسه، الصفحة: 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت