وأما المسألة الثانية، فتتعلّق بالتمركز حول العقل وتمجيده؛ إذ تم"إخضاع كل شيء لقدرة العقل [ ... ] وعبره يتحقق الإنسان من سيادته النظرية على العالم الذي يغدو شفافا وخاليا من الأسرار" [1] ، فارتبطت هذه النزعة العقلانية بالسيطرة والاستحواذ على الطبيعة عبر توظيف التقنية وتسخيرها من أجل إخضاع كل شيء للمعرفة الإنسانية، ولذلك أصبح ما هو علمي وموضوعي مرتبط بمدى تقبل العقل له، وبذلك ساد تصور مفادُه أن الحداثة هي"نزع الطابع السحري عن العالم".
وعليه، يتضح أن الحداثة الأوروبية ارتبطت بتمجيد الإنسان والعقل واعتبارهما المنطلق الأول والأخير لِلانخراط في العالم، وبهذا، ساد التصور البنيوي في هذه المرحلة، باعتبار أن البنية، هي الشكل الوحيد الذي يقبله العقل والمنطق؛ إذ أنها تدل على النسقية والموضوعية وقابلية التعامل، ولذلك يمكننا أن نؤكد، ومن دون أي مغامرة، أن الحداثة هي الاسم الثاني للنسق.
-ما بعد الحداثة
نعرفُ الآن أنَّ الحداثة هي المرحلة التي سادت فيها مُعتقدات تمركزت حول الإنسان والعقل، ونعرفُ أيضا أنها مرحلة اعتبار العلم الشيء الذي لا يمكن أن تعلو فوقه أي قدرة، فكل شيءٌ يرتكن إليه؛ إنها فترة البنية، أو بصفة أقرب إلى الوضوح، إنها الفترة الصّلبة؛ أما مرحلة ما بعد الحداثة فهي على العكس من ذلك، مرحلة السيولة والدلالات العائمة، فهي تتطلع إلى"الأشكال المفتوحة، المرحة والطموحة، والانفصالية المتروكة أو غير المحددة لتكوين خطاب مؤلف من شظايا، أو تكوين إيديولوجية التصدّع التي تعمد إلى الحل والفض وتستنطق الصمت" [2] .
أي إن ما بعد الحداثة هي مرحلة الانتقال من العقل إلى اللاعقل، والتشكيك في كل الثوابت والمسلّمات السائدة في مرحلة الحداثة كالعقل والإنسان والعلم والبنية ... وغيرها، و"يمكننا فهم ما بعد الحداثة، بشكل عام، بوصفها تعديا تدريجيا لما هو جمالي على مجالات الفلسفة والأخلاق والعلم، وبوصفها إزاحة تدريجية للاكتشاف والعمق والحقيقة والتواصل والتماسك لصالح [ ... ] التشظي الساخر" [3] .
(1) - المرجع نفسه، الصفحة: 19.
(2) - نصوص مختارة، ما بعد الحداثة: فلسفتها 2، ترجمة وإعداد: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، المغرب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2007 م، ص: 38.
(3) - المرجع نفسه، الصفحة: 48.