الصفحة 21 من 27

وينتمي إلى حقل هذا المفهوم مجموعة من المفاهيم الفرعية كـ (اللغز - التخطيط - الكناية - الوهم - الغموض- الأسطورة - الهذيان - المفارقة - الهزل - التسلية - الأضحوكة - الجناس - الاقتباس - الرموز) [1] ... وغيرها، وهي مفاهيم يتوسط بها التقويضيون في تمجيد هذه الإمكانية المتعلقة باللعب الكتابي.

وعلى سبيل التركيب، نودّ أن نشير إلا أن هذه المفاهيم، مفاهيم التقويض، مترابطة فيما بينها إلى حد بعيد؛ إذ لا يمكن استيعاب مفهوم دون آخر، فهي (أي المفاهيم) تعمل بشكل يحيل كل منها إلى الآخر بشكل يصعب التفريق بينها، وقد نستطيع القول أن كل مفاهيم دريدا يمكن أن تنضوي تحت تصور ما بعد حداثي واحدة وهو العبث، وذلك كما لاحَ معنا قبلُ.

لا شكّ في أنه لا يمكننا أن نفكّر من دون أن نبني أفكارَنا على شيءٍ كان موجودًا قبل أن نوجَدَ، شيءٌ نؤسس عليه معتقداتنا. والأمر نفسه نقولهُ عن التقويضية، فهي لم تأت من فراغ؛ بل تلامحت إثر مجموعة من الأفكار التي كانت سائدة قبل دريدا، ومتزامنةً معه أيضًا. ولذلك نستطيع أن نتساءَل؛ ما هي أهم الأسس التي استند إليها دريدا في إنشاء تصوره التّقويضي؟ سنحاولُ الإجابةَ عن ذلك بعد قليل.

· القبّالاه أو القبّلانية

لعلّ أول ما يتبادرُ لدى الذّهنِ حينما نتأمل مصطلح القبالاه [2] ، هو الصوفية اليهودية القديمة التي تدعو إلى تجسّد الإله في الإنسان والإنسان في الإله، إلى أن نصبح أمام إلهٍ مؤنسَن وإنسان مؤلّه، وهذا بالضبط ما نُسمِّيهِ بالفكر الحلولي؛ أي حلول الذات الإلهية في الذات البشرية والعكس، أيضًا، صحيح. ونحن إذ نبحث حياةَ جاك دريدا، نكتشِفُ أنّهُ يهوديٌّ من عائلة يهودية خالصة [3] ، وهذا المعتقد أثر، بشكل كبير، في الفلسفة التقويضية لجاك دريدا، فعلى الرغم من أنه يؤكد، مرارًا، على أنه"يهوديّ لا يهودي" [4] ، إلاّ أننا نعرف جميعًا أن معظم مفاهيم جاك دريدا تلغي الثنائيات وتؤكد على الطابع المتحد

(1) - محمد سالم سعد الله، الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية، م. س. ص: 171.

(2) - لعله مفيد في هذا الجانب قراءة كتاب: علي صدّيقي، إشكالية التحيّز في النقد العربي المعاصر، م. س. ص ص: 142 - 152، وقد تحدّث الناقد بشيء من التفصيل عن العلاقة بين القبالاه والتقويضية.

(3) - للاطلاع على الشكل الذي يدافع به جاك دريدا عن ديانته اليهودية، يمكن قراءة كتاب: جاك دريدا وآخرون، المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة، تـ: حسن العمراني، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 2005 م.

(4) - جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، م. س. ص: 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت