الصفحة 20 من 27

أيضا، مُنبثِقَانِ عن كتابةٍ هي روحية بشكل أساس، وهذا يحيل بشكل أو بآخر على المُعتقدات اليهودية التي تُثبِت أسبقية الكتابة وحجيتها (والمرتبطة بتزويرات الحاخامات وتحريفاتهم التي لابد أن تكون مرجعا لكل يهودي) في مقابل الصوتِ المنطوق الذي كان في أول أمره سابقا ومُحتكما إليه (والذي يرتبط بالتوراة وبالكلمة الإلهية) ، وبهذا اسْتُغِلّت تحريفات الحاخامات وتم اعتبارها حقا مكتوبا وسابقا على الكتاب المُنزّلِ نفسِه، ونتيجةً لذلك كُلّهِ تم الحديثُ عن كتابةٍ أصلية ذات خلفية يهودية بشكل لا يمكن التغاضي عنه.

• نظرية اللعب Theorie de jeu

يعد اللّعب من المميزات الخاصة بمرحلة ما بعد الحداثة، فهو يعني توظيف تقنيات البلاغة من أجل تشتيت ذهن القارئ أمام المعنى الصحيح والصائب، ولم نستعر، هنا، لفظة"تشتيت"بطريقة اعتباطية فقطّ؛ بل عنينا بها، على نحو مقصود، علاقة اللعب بالتشتيت، المفهوم الذي يعني انتشار الدلالات من النص بحيثُ لا يمكن حسم الأمر معها، أي: إن هذه الدلالات"تتوالد بفعل الكتابة مثل تيار متدفق، فينتج الدال دالا آخر في لعبة متواصلة لا نهائية دون أن يتيح سيل الدلالات لمدلول ما أن يفرض حضوره، أي أن يتعالى. ومن هنا يأتي الإصرار على عدم الاعتراف بوجود حدود تحصر المعنى" [1] ، هذا من جهة؛ أما من جهة ثانية فإن اللعب يسعى إلى استغلال كل الالتباسات التي تُنتِجُها اللغة كالجناسات والأناغرامات وما شابه ذلك ... إن دريدا يبين أن الكتابة تستطيعُ استغلال اللعب إلى حدّ بعيد، في مقابل الكلام الذي، في أحايين كثيرة، لا يمكنه ذلك.

لنأخذ مثالًا على ذلك، في مواضع كثيرة يستخدم دريدا بعض الألفاظ التي لا تدركُ إلا بقراءتها، وبذا يؤكد أن الكلامَ عاجز عن اللعب، بعكس الكتابة. ففي الفرنسية، مثلا، يأتي دريدا بمجموعة من الألفاظ متشابهة عند النطق بها كـ (( معنى أبيض) sens blanc (دم أبيض) sang blanc (بدون بياض) sans blanc (طيف) semblant (مائة أبيض) cent blanc) [2] ، فيستغل دريدا هذه الالتباسات ليلعب على الألفاظ بطريقة لا تقفُ أمامها إلاّ الكتابةُ/القراءة، مما يجعل الكلام عاجزا على اللعب.

(1) - لخضر العرابي، المدارس النقدية المعاصرة، النشر الجامعي الجديد، الجزائر، تلمسان، الطبعة الأولى، 2016 م، ص: 132.

(2) - جاك دريدا، مواقع (حوارات) ، م. س. ص: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت