الصفحة 19 من 27

إذن؛ يعني الأثر الشكل الذي يشير فيه الدّال الكتابي إلى دال هو يلتبِسُ معهُ فيما يُشيرُ إليه، وهذه الإشارة لا تكفّ عن الامّحاء كلّما أحالت على دالّ بعينه، فلا يبقى بين أيدينا شيءٌ سوى الآثار Les traces!!؛ لأن المعنى الذي يمكن أن يحلّ المشكلة غائبٌ بالمرّة.

• التَّكرار

يتداخل هذا المفهوم مع مفهوم الاختلاف المُرجئ، ومع مفهوم المُكمّل أيضًا، فعلاقته بالأول هي أن التكرار هو الكيفية التي تجعلنا ننتقل من الأصل إلى تكرار له عبر عملية الإرجاء والتّأجيل [1] ، ومع مفهوم المكمل باعتبار التّكرار انبثاقا ثانيا عن الأصل [2] ، فدريدا يعني بالتّكرار الإمكانية التي تكون أمام كلّ دالّ في أن يُكرّرَ لاحِقا، وهذه سمة لابدّ منها"فالإشارة التي لا تقبل التكرار ليست إشارة حتى لو لم يفهمها أو ينطق بها سوى متكلم واحد" [3] ، وبما أن من سمات الكتابة قابليتها لتكرير نفس العلامات رغم غياب السياق، فإن دريدا يحاول بهذا المفهوم تقويض مركزية الصوت عبر الكشف عن هذا النقص الكامن فيه.

ومفهوم التّكرار جاء ضدا على معطيات أوستين وسيرل وغيرهم من التداوليين البرغماتيين الذين يقولون بنظرية أفعال الكلام، النظرية التي تُلغي سمة التكرارية في اللغة، وبذاك فإن دريدا قد قوّض هذه النظرية وكشف عن ميتافيزيقيتها مُنطلقًا، بشكل محوري، من هذا المفهوم.

• الكتابة الأصلية Archi-ecriture

يمكن القول، بالنسبة لدريدا على الأقل، إن الأصل لا أصلَ له، فهو لا يمكن أن يكون مستقلا وقائما بذاته؛ لأنه يحتاجُ إلى مُكمِّل ما يجعله يظن نفسَه أصلا! أي: إن ما ساد في المنطق الصوري الأرسطي من أن الجوهر يبقى قائما بذاته من دون حاجته إلى أي مُسْتَنَدٍ، لَقولٌ باطلٌ من منظورٍ دريدي؛ لأن هذا الجوهر، بالذات، لم يُسمَّ جوهرًا إلا لكونِ العَرَضِ موجودًا يُدعِّمُ أصليته وجوهريَّته، وبما أن الحال هكذا، فإن دريدا يعتقدُ أن المُكمل موجودٌ قبل الأصل (الذي يدّعي أصليتَهُ) ، وبهذا فالكتابة، بما هي مُكمّلٌ حسب الميتافيزيقيين، فإنها الأصلُ، والكلامُ الذي يُعتبر، حسب الميتافيزيقيين دائما، أصلًا ليس إلا انبثاقًا عن"الكتابة الأصلية"التي تعود إليها كلّ علامة [4] ، فدريدا يؤكد أن الكلام، والكتابة المادية

(1) - المرجع نفسه، الصفحة: 68.

(2) - المرجع نفسه والصفحة نفسها.

(3) - المرجع نفسه ص: 67.

(4) - علي صديقي، مطارحات نقدية في الأدب والفكر، م. س. ص: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت