الصفحة 22 من 27

لكيانين في كيان واحد، كمفهوم Differance، الذي يشير إلى الاختلاف والتأجيل دفعة واحدة، ومفهوم الأثر الذي يعني ما يتبدّى وما يمّحي في الوقت نفسه، وكذلك نفي دريدا لثنائية دال ومدلول ليحل كلّ منهما محلّ الآخر فيصبحا دالاّ فقطّ، وكذلك المكمّل الذي يعني الهامشي والمركزي في الآن ذاته ... وهكذا يقدّم دريدا فلسفتَهُ، فلسفةً حلولية قبالية محضة تمجد مسألة اتحاد المتناقضات وحلول عنصري الثنائية محل الآخر ليشكلا عنصرا واحدا.

· أفلاطون

المثير للانتباه في دريدا، أنه يستعير مُعظَمَ مفاهيمِهِ من الفكر الذي يُقوّضُهُ، فمن أفلاطون استعار مفهوم"اللعب"، الذي يعد أحد أهم مفاهيم دريدا، وقد سبق معنا الإشارةُ إليه، وقد رأى أن أفلاطون يتيح للإنسان أن لا يكون، في معظم أحواله، جدّيًا، بل يحثّهُ على اللّعبِ الذي يكون، أيضا، جادّا؛ أي ليس لعبًا من أجل اللعب؛ بل بلوغًا لمقاصد سامية [1] ، وقد استعان دريدا بهذا المفهوم ليقلب التمركز اللوغوسي رأسًا على عقِب. أضف إلى ذلك، إفادَتُهُ من مفهوم"الأب"عندَ أفلاطون،"الأب" (أي قائل الكلام) الذي يُدعّم الكلامَ، ويكون بجانبِهِ إن أرادَ المتلقي استفسارًا ما، لكنّ الكتابة لا أب لها؛ إنّها لقيطة، لا حقيقة محدّدة وراءها، وهكذا يؤكد دريدا أن كل نص مكتوب دلالاته لا نهائية، لأنه لا يملكُ أبًا يحاصِرُ هذه الدّلالة.

· روسو

يشكّل مفهوم المكمل المفهومَ الذي استعارَهُ دريدا من ج. ج. روسو، وذلك من كتابٍ لهذا الأخير عنوانه"محاولة في أصل اللغات"، ويعتبر فيهِ روسو الكتابةَ شيئا إضافيًا ومُلحَقا ومُكمِّلًا للكلام فقط؛ لأن الكلامَ يصحَبُهُ النبرُ وتنويعُ الدلالات وأداء المشاعر؛ أما الكتابة فيجب أن تُحمل على معناها العام فقطّ؛ لأنها لا تمكننا من الاستفادة من الميزات نفسها التي يتيحها الكلامُ [2] ، وبما أن الحالُ كذلك عندَ روسو، فإن دريدا أكّد أن المُكمّل هو"الشيء الذي يأتي ليكمِّلَ نقصًا مّا"أي: إن دورَ المُكمّل مركزي وهام؛ لأنهُ يواري سوءات الأصل، ويجعلهُ أصلًا"كاملًا"؛ إلاّ أن"هذا المكمل الخطير"على رغم من ميسمه الهامشي، فإنه هو الأصلُ وهو أصلُ الأصلِ عند دريدا، ما دام يقوم بهذا الدور"الخطير"حسب اصطلاح دريدا، وبهذا يفيد دريدا من روسو ويقوضه في الآن ذاته.

(1) - جاك دريدا، صيدلية أفلاطون، م. س. ص: 118 - 119.

(2) - جان جاك روسو، محاولة في أصل اللغات، تـ: محمد محجوب، الدار التونسية للنشر، تونس، تونس، طبعة 1985، ص: 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت