ذبذبات الصوت الهوائية. ولكن بشكل صلب ودائم في العلامات على الصفحة، وهذه العلامات لا تحتاج لأن تكون مدعمة بحضور من يصفها، لأنه دائما غائب بشكل جوهري" [1] ."
بهذا فإن الغراماتولوجيا أو علم الكتابة هو"العلم البديل"الذي وُلِدَ، بالنسبة لدريدا، مُباشرَةً، بعد"موت الكلام"، فبعدما كانت الفلسفة الأوروبية، تُعطي الأولوية والأهمية للكلام (الصوت والكلمة المنطوقة؛ أي اللوغوس) ، باعتباره يشترطُ الحضور، والحقيقة والحسم في أمرها، فإن دريدا قد أبى ذلك وأكّد على أن هذا التمركز حول اللوغوس ليس إلا مرادفًا للميتافيزيقا التي يجب أن تكف عن تسلطها و"ديكتاتوريتها". وديريدا يُعلي من شأن الكتابة بوصفها الأكثر قدرة على التعبير، فهي، حسب دريدا دائمًا، تستطيع أن تقوم بما يقوم به الكلام، كما أنها قادرة على أن تقوم حتى بما يعجز الكلام عن القيام به، وبهذا، فإن الكلام يشكّل فرعا من الكتابة وليس العكس كما ساد في الفلسفة ما قبل الدريدية. وهكذا يبدو لدريدا أن"مهمة علم الكتابة هي خلخلة كل ما يخلق قواعد أو مفهوم باللاهوت الأنطولوجي والمركزية العقلية والصوتية" [2] ، فهي عودةٌ لنُصرَةِ الدّال الكتابي وتمجيدِه، وتقويض كل مركزية تدّعي أسبقية الصوتِ المنطوق عليه.
• التشتيت Dissemination
ويعد هذا المفهوم من المفاهيم التي تشكل تعاضدا مع المفاهيم الأخرى في"النسق"التقويضي، وتنبع صعوبة الإحاطة بهذا المفهوم نظرًا للشكل الذي تحدّث دريدا عنه، وفي هذا السياق نجده يقول:"إن التشتيت لا يعني في نهاية المطاف شيئًا ولا يمكن جمعه ضمن تعريف واضح، وأنا لن أقوم بهذا الترف هنا بل أكتفي بالإحالة على اشتغال النصوص التي كتبت في هذا الإطار. وإذا كنا لا نستطيع أن نلخص التشتيت أي المغايرة الذّرية في فحواها المفهومي فذلك لأن قوة وشكل ظهوره تفقأ الأفق الدّلالي" [3] ، وهكذا، فإنه لمن باب النكتة السّمِجة أن يدّعي أحدنا أن هذا التعريف يشكل منطلقا معرفيا لا محيد عنه لفهم مفهوم التشتيت! ... ورغم ذلك فإننا نستطيع أن نأخذ عبارة"تفقأ الأفق الدّلالي"لتفيدنا في هذا السياق، فدريدا يعني بهذه العبارة أن التشتيت لا أفق له ولا حد يحدّه من انفجاره الدّلالي، بل إنه، على العكس من ذلك، يفقأ كل أفق يضع نهاية للدلالات. فالتقويضية ترى"أن التّشتيت هو تعددّ توليدي"
(1) - ريتشد هارلند، ما فوق البنيوية وما بعدها، م. س. ص: 184.
(2) - جاك دريدا، مواقع: (حوارات) ، تـ: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، المغرب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1992 م، ص: 63.
(3) - جاك دريدا، المرجع نفسه، ص: 45.