ثانيًا مناقشة أدلة القول الثاني الذي يرى جواز البيع بالتقسيط:
أولًا مناقشة استدلالهم بقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} :
يمكن أن يُرد على استدلالهم بعموم الآية في حل هذا النوع من البيع، بأنه قد ورد ما ينقلنا عن هذا العموم ويخصصه، وهي الأدلة الدالة على تحريم البيع المؤجل مع زيادة الثمن، وهي التي مضى ذكرها، فيلزم العمل بالخاص وترك العام كما هو معلوم عند أهل الأصول.
ويمكن الرد على هذه المناقشة بأن الأدلة التي يدَّعي المانعون بأنها ناقلة عن الأصل والعموم، لم يثبت منها دليل يدل على المدعَى المطلوب، وقد ناقشناها بما يدل على بطلانها، وبهذا يبقى نص الإباحة على عمومه [1] .
ثانيًا مناقشة الدليل الثاني الذي فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ البعير بالبعيرين إلى أجل، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث لا دلالة فيه على ما ذكره المجيزون؛ لأن الحديث لم يُذكَر فيه إلا ثمنٌ واحد، وهو الثمن المؤجل (البعيرين) ، فلم يكن هناك ثمن حال زِيدَ عليه مقابل الأجل [2] .
ويمكن أن يجاب على هذه المناقشة: بأنه لا تأثير لعدم ذكر ثمن السلعة ما دامت الزيادة في الثمن المؤجل معلومة كما هي الحقيقة والحال، فثبت بها أن الزيادة نظير الأجل جائزة، هذا فضلًا عن أن الثمن الحال معلوم وإن لم يُذكَر في الحديث، فقد علمنا يقينًا أنه اشترى البعير بالبعيرين إلى أجل بنص الحديث، وهذا ما يؤكد بأن الثمن الحال للبعير هو بعير واحد [3] .
الوجه الثاني: أن بيع البعير بالبعيرين لا يدل بالضرورة على أن الثمن المؤجل فيه زيادة؛ لأن البعير الواحد قد يساوي البعيرين في الثمن، أو يزيد عليهما، فلا يتعين أن الزيادة في مقابل التأجيل [4] .
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة: بأن ذكره للأجل في السياق تعليلًا للزيادة، يدل على أن الزيادة علَّتها الأجل، ولو لم يكن الأمر كذلك لكانت الزيادة مستحقة في البيع الحال؛ لأن
(1) «بيع التقسيط» ؛ للتركي ص 213.
(2) «نظرية الأجل» ص 220.
(3) «بيع التقسيط» ؛ للتركي ص 216.
(4) «بيع التقسيط» ؛ للتركي ص 216.