لا مقامَ بعد النبوَّة أعلى وأشرف من مقام قوم ارتضاهم الله تعالى لصُحبة محمد - صلى الله عليه وسلم - أشرف رُسله، وخاتم أنبيائه، ونُصرةِ دينه.
فهُم رضي الله عنهم خير أصحاب الأنبياء والمرسلين على الإطلاق؛ قال - صلى الله عليه وسلم: «خَيرُ الناس قَرْني» .
ولذا اتفقتِ الأُمَّة على أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم أفضلُ ممن بعدهم من الأمة؛ علمًا وعملًا، وتصديقًا وصُحْبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسَبْقًا إلى كلِّ خَصلة جميلة، فلا شك أنَّهم حازوا قَصَبات السبق، واستولوا على الأمد ـ أي: الغاية ـ وبلغوا في الفضْل والمعروف والعِلم وجميع خِصال الخير ما لَم يبلغْه أحدٌ.
فإن الذي سبقوا إليه من الإيمان بالله ورسوله، والهجرة والنُّصرة والدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيل الله، ومعاداة أهل الأرض وموالاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه وطاعته قبل أنْ تنتشرَ دلائل نبوَّته، وتَظْهر دعوته، ويَقْوى أعوانه وأنصاره، مع قِلَّة المؤمنين وكَثرة المكذِّبين من أهْل الكتاب والمشركين، وإنفاقهم أموالَهم وبذلهم أنفسَهم؛ ابتغاء وجْه الله تعالى في مثل تلك الحال؛ أمرٌ لا يُمكن أن يحصلَ ولا مقدار ثوابه مثله لأحدٍ من الأمة، وفي الصحيح قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا أصحابي؛ فوَالَّذي نفسي بيده، لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما بَلَغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفه» .
فالسعيد من اتَّبع صراطَهم، واقتفى آثارهم، تالله لقد نصروا الدِّين، ووطَّدَ الله بهم قواعدَ الملَّة، وفتحوا القلوب والأوطان، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده؛ فرضي الله عنهم وأرْضَاهم.