الصفحة 18 من 20

وكذلك جرى ليعقوب عليه السلام فإنما فقد ولدًا، وطال الأمر عليه، لم ييأس من الفرج، فأخذ ولده الآخر، ولم ينقطع أمله من فضل ربه {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [1] ، وكذلك قال زكريا عليه السلام {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [2] .

فإياك أن تستطيل مدة الإجابة، وكن ناظرًا إلى أنه الملك، وإلى أنه الحكيم في التدبير، والعالم بالمصالح، وإلى أنه يريد اختبارك ليبلو أسرارك، وإلى أنه يريد أن يرى تضرعك، وإلى أنه يريد أن يأجرك بصبرك، إلى غير ذلك، وإلى أنه يبتليك بالتأخير لتحارب وسوسة إبليس.

وكل واحدة من هذه الأشياء تُقوي الظن في فضله، وتوجب الشُكر له، إذ أهلكَ بالبلاء للالتفات إلى سؤاله، وفقر المضطر إلى اللجأ إليه غنى كله

الدنيا دار ابتلاء والكل فيها مبتلى، ومن يرد الله به خيرًا يصيب منه:

قال الله عز وجل {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [3] .

وصح الخبر عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، وورد: فإن كان في دينه صلبًا إشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فلا بد من امتحان واختبار في هذه الدار، فلا تجزع من ذلها ولاتنافس في غيرها، فلك شأن وللناس شأن، واحذر أن تنقلب على عقبك القهقرى، أو أن تبيع دينك بدنياك أو بدنيا غيرك واعلم"أن الله اذا أحب قومًا ابتلاهم"

ومما يُسلي النفوس المؤمنة ما ورد في الحديث {ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه} .

وفي الحديث أيضًا {عجبا ًلأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له} .

(1) القرآن الكريم، سورة يوسف، الآية 83.

(2) القرآن الكريم، سورة مريم، الآية 4.

(3) القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت