وقوله تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة المائدة: 117] .
وقوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [سورة الزمر: 65 - 66] .
ودعا قومه إلى توحيد الله عز وجل فعجبوا من ذلك: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [سورة ص: 4 - 5] .
وقد مكث الرسول - صلى الله عليه وسلم- في مكة ثلاثة عشر عامًا لا همَّ له إلا تأسيس العقيدة، والدعوة إليها، وترسيخها في قلوب أصحابه.
ولما هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وبدأت آيات التشريع والأحكام تتنزل عليه، وجدتْ قلوبَ أولئك الصحابة الكرام مُعبَّدة لأوامر الله تعالى، ومستعدةً لقبول أحكامه والإذعان لها.
لقد تشبعت قلوبُ الصحابة- رضي الله عنهم - بعقيدة التوحيد بأصليها العظيمين (توحيد الله تعالى، وتوحيد شرعه) ، وكانوا حراسًا عليها، حتى إذا ما أحسوا انحرافًا قليلًا عنها شَدَّدُوا عليه النكير. ومن أمثلة ذلك:
أن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -، دخل مسجد الكوفة، فرأى حلَقًا، وفي وسط كل حَلْقةٍ كُومًا من الحصى، ورجلًا قائمًا على كل حلقة يقول لهم:
(سبحوا مائة، فيسبحون مائة، احمدوا مائة، فيحمدون مائة، كبروا مائة، فيكبرون مائة) - فقال: لهم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:
(يا قوم، والله لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مقتحمو باب ضلالة) ، وكلامه إليهم معقول، لأنهم بفعلهم ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يكونوا: أهدى منه، وهذا محال، وإما أنهم افتتحوا بابًا جديدًا للضلالة بالابتداع. فقالوا: «والله يا أبا عبدالرحمن ما أدرنا إلا الخير» ، فقال لهم «وكم من مريد الخير لم يبلغه» - فهؤلاء القوم لم يُحَوِّلْ صلاحُ نياتهم