ذلك من التعللات السخيفة، حتى تجمعت بدعٌ وبدعٌ، وصار دينُهم بِدَعًا، وعاشوا حياتهم على البدع، وصاروا لا يفهمون الدين إلا أنه هذه البدع.
ومن ثم أصبحوا لا يميزون بين الحق والباطل، ولا يفرقون بين الطيِّب والخبيث، وإنما لُبسَ عليهم الأمرُ وخُلِطَ عليهم، لأنهم فقدوا فُرْقَانَ المؤمنين الذي أشار إليه الله جل وعلا في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [سورة الأنفال: 29] .
والذي تستقر في قلبه العقيدةُ الصحيحةُ يجعل الله تعالى في قلبه فرقانًا يفرق به بين الحق والباطل، ويستطيع أن يحس إحساسًا مُرْهَفًا أن هذا الحق، وأن هذا باطل، مما استقر في قلبه من عقيدة التوحيد.
ولذلك فإن من فضل الله تبارك وتعالى ونعمته على الموحدين أنهم يستطيعون أن يكشفوا الشخص الخُرافِي في دقائق، فيعرفونه بسيماه، ويعرفونه في لحن القول.
ومن ثم فإن العقيدة الصحيحة مهمةٌ جدًا لكل مسلم، إذ ينشأ عنها كل إصلاح وخير. وإذا نظرنا إلى العلماء اليوم، وجدنا أن أكثرهم قد هَانَ عليهم أمر العقيدة، ولم يرشدوا الناس إليها، واعتبروا أن دعوة الناس إليها ينفرهم، ويفرِّق جمعهم، لذلك يلجأون إلى غيرها من أمور الدين التي ينبغي أن تُبنَى على العقيدة بزعم أنهم يهدفون إلى جمع الناس أيًّا كانت عقائدهم، فإذا تم جمعهم وتكون مجتمع إسلامي منهم، بدأوا يصححون عقائدهم.
وهذا اتجاه غير سليم، لأننا عرفنا بما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذًا إلى اليمن أمره أن يبدأ دعوته بالتوحيد، فإن استجاب القوم له، أمرهم بعد ذلك بالتكاليف التي تُبنَى على العقيدة ومن أولها الصلاة.
ومن ثم فإن الذين لا يبدأون دعواتهم بالعقيدة، لا يكون لدعواتهم أثر عظيم في الإصلاح، لأن المهم في الإصلاح أن يصلح ما استقر في القلب أولًا، فإذا لم يصلح ما استقر فيه، فسدت جميع الأعمال كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» .