أبواب الفقه ولا هو أصعب أبوابه، فلا إفراط ولا تفريط. صحيح أن أحاديثه، كما قال بعضهم أكثر من مائة حديث ولها أكثر من مائة وخمسين طريقا، لكن لو أن الكاتب فيها جمع في ذلك أصول الأحاديث وأصول أبوابه وضبطه ببعض القواعد، فإنه يسهل على الباحث فيه ضبطه وتحرير مسائله.
ولذلك اعتنى العلماء بضبط الأصول فيه، حتى يتميز الحيض من الاستحاضة، مثل معرفة أقل سن يمكن أن تحيض فيه المرأة وسن اليأس، فجعلوا سن التاسعة هي أقل مدة يمكن أن تحيض فيه المرأة، وسن الخمسين هي سن اليأس على خلاف في اليأس. وضبطوا أقل مدة الحيض وأكثره، فمن قال: أقله يوم وليله، ومن قال: ثلاثة أيام، ومنهم من قال لا حد له، وجعلوا له أمدا بلا خلاف، أي أن له أمد ينتهي إليه، فمن قال خمسة عشر يوما إلى ثلاثة عشر إلى عشرة أيام وضبطوا أقل الطهر وهي خمسة عشر يوما. واتفقوا أنه لا حد لأكثره، فقد تمكث المرأة عمرها كله طاهرا ولا تحيض.
وسبب اعتناء العلماء بهذه الضوابط وهذه القواعد ليتميز الحيض من الاستحاضة عند من يضبط هذه الأصول. فالعلماء يقولون: من حُرِمَ الأصول مُنع الوصول. يقصدون بذلك أصول المسائل في كل باب، لأن باقي مسائل الباب تأتي تحت الأصول، وتتفرع عنها، فمن فهمها فهم كل الفروع، ومن حُرِمها حرم الفهم فيها.
وعلم الحيض مما لا يستهان به، فلا يقال: هؤلاء علماء الحيض والنفاس، بل هذا من الغلو، فقد تجد عابدا ينتقض الفقهاء أنهم علماء الحيض والنفاس، وهو يقصد لمزهم وعيبهم، فيكون من الزهاد أو من علماء السياسة، فيرى أن عالم السياسة أهم من الفقه لأنه يقارع الطواغيت.
وأقول: هذا من الغلو، وكذلك الفقهاء ليس لهم أني يلمزوا العُبَّاد، ولا من خاض في علوم أخرى، فكل يكمل الآخر، فهذا في فنه يخدم الإسلام، وهذا في تخصصه يسد ثغرة ويكفي الأمة من الخوض فيه ...