النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا صلابة وعزيمة وتمرشا وحنكة وتطورا استراتيجيا للمخابرات النبوية، وقد ظهر هذا التطور الواضح في بيعة العقبة التي تمت في غاية الإحكام والإتقان، حيث كان الإتقان المسبق على زمان ومكان البيعة، في أوسط أيام التشريق في الشعب عند العقبة ليلا (1) .
فقد تمت في الليل لما هو معروف من أن الليل غطاء جيد، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لا أمر الأنصار بكتمان الخبر عن المشركين (2) ثم وضع خطة مأمونة في كيفية الحضور بأن يأتوا فرادى، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجوا من رحلهم لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم *، متسللين مستخفين تسلل القطا - أي أفرادا (3) .
ومن أروع ما تم في المرحلة الجهرية من عمل سري هو من المهام الاستخبارية الهجرة من مكة إلى المدينة، فقد كانت غاية الإحكام وقمة التنفيذ الذي ينم عن عبقرية استخباراتية، فقد اختار الوقت المناسب والمكان المناسب والرفيق المناسب والتمويه المناسب، والمتابعة المناسبة والتضليل لقريش، وإخفاء الأثر، والدليل الثقة والطريق المهجورة.
فالوقت المناسب في تبليغ أبي بكر الصديق هو وقت الظهيرة وكان ملثما (4) .
والتمويه الجيد في مبيت سيدنا علي بن أبي طالب مكانه في فراشه، واختيار الدليل عبد الله بن اريقط، وتهبلة وسيلة الهجرة من الجمال، ثم تموين الهجرة بالطعام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن هشام، السيرة النبوية 440/ 1 طبعة دمشق. (د. ت) . وصفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، الطبعة السابعة - دار الوفاء مصر 1990 ص
(2) ابن کثير، البداية والنهاية ج 3 ص 107.
(3) أبو الفرج عبد الله بن الجوزي، الوفا بأحوال المصطفي، طبعة دار الكتب الحديثة القاهرة - بدون
(4) البخاري، صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار، باب هجرته
* وأصحابه.