فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 1352

لقد بدت لى تلك الماركسية الجديدة المتألفة مع اتجاهات أولئك الفرويديين الجدد بمثابة المصدر النموذجي للإجابة على التساؤلات الوطنية الكبرى التي كانت تشغل جيلي آنذاك ومضيت في طريقي وقد خيل إلى أنني قد أوتيت من العلم الكثير، إلى أن وقعت واقعة يونيو 1967 وعندها تكشف لي آنذاك فيما تكشف كم كنت متجاهلا بل جاهلا لطبيعة ما ألفنا أن نطلق عليه آنذاك إسرائيل المزعومة". وبدأت أتلفت حولي كمتخصص في علم النفس بحثا عن سبيل للتعرف على ذلك المجهول"إسرائيل". ووجدتني غارقا منذ ذلك الحين في خضم"علم النفس السياسي.

لم يكن دافعي للاهتمام بعلم النفس السياسي منذ البداية اهتماما أكاديميا نظريا يوجهه فضول الباحث العلمي فحسب، بل كان دافعا وجوديا إذا ص ح التعبير، ومازلت أذكر حتى الآن بكثير من الخجل مدى تفاؤلي بمجريات مواجهتنا مع إسرائيل في أيامها الأولى. وأذكر كذلك كيف تلاشى ذلك التفاؤل الساذج مع بداية نذر الهزيمة، وكيف تحول الخجل إلى إحساس ثقيل بالتقصير في الفهم وفي الفعل على حد سواء. وبدأ تساؤل مؤلم يلح على كما يلح على غالبية أبناء جيلى: لماذا لم تفهم؟ لماذا لم نتوقع ما حدث؟ والأهم من ذلك وماذا بعد؟ لقد كنت مهتما في المقام الأول بالإجابة عن أسئلة ذات طابع عملي سياسي وطني: لماذا؟ وكيف هزمتنا إسرائيل؟ ومن هم أولئك الإسرائيليون الذين أوقعوا بنا تلك الهزيمة؟ وقادني سعيي للبحث عن إجابة لتلك الأسئلة إلى استثمار ما أعرفه كمتخصص في علم النفس، واكتشفت أنه إذا كان متاحا بدرجة ما أن أعرف شيئا نظريا عن محاولات علماء النفس في هذا المجال، فإن التعرف على ما درسه الإسرائيليون أنفسهم عن مجتمعهم لم يكن أمرا ميسورا بحال في وقت كانت فيه معرفة الأخر محرمة إلا على نخبة السلطة لو شاعت أن تعرف، وقليلا ما كانت تشاء ذلك. لقسد كان الخيار العربي منذ نكبة 1948 أن نغلق الأبواب على أنفسنا حيال كل ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت