مقدمة الترجمة العربية
بقلم: قدري حفني
علم النفس والسياسة
لقد بدأت الاستفادة من الحقائق النفسية في المجالات المتعددة لممارسة السياسة مع بداية ممارسة الإنسان للسياسة، أي قبل ظهور علم النفس باعتباره علما، وعلى سبيل المثال، فقد عرف البشر الحرب النفسية ومارسوها منذ عرفوا ومارسوا الحرب بمختلف أشكالها, أي منذ فجر التاريخ، رغم أن المصطلح لم يبدأ تداوله إلا مع نذر الحرب العالمية الأولى، بعد أن تطورت الممارسة القديمة من صرخة توقع الرعب في قلب العدو، أو تثير الشجاعة في قلب المهاجم، إلى أن أصبحت على ما نشهده اليوم من منشورات وإذاعات ومحطات بث تلفزيوني، إلى آخر تلك الخطط الفنية المعقدة التي يضعها المتخصصون في فروع الحرب النفسية، ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا أن ممارسة الحرب النفسية لم تتوقف قط حتى في فترات السلام القليلة المتناثرة التي عاشتها البشرية عبر تاريخها الطويل، حيث ظلت الحرب النفسية قائمة لا تفتر في فترات القتال والسلام على حد سواء، ولعلها تكون أكثر صخبار بل أشد خطرا حين تخمد نيران القتال وتصمت المدافع. ولكن علم النفس منذ أصبح علما كان ينأى بنفسه عن خوض غمار السياسة. وربما يرجع ذلك لأنه - أي علم النفس - كان آخر العلوم انفصالا عن الفلسفة، ومن ثم كان يريد أن يولى ظهره لكل ما بدا له نظريا فلسفيا، لينفي عن نفسه شبهة"الانحياز"اللصيقة بالممارسة السياسية، حفاظا على تلك الهالة من"الموضوعية التي تحيط بالعلوم الطبيعية."