علم النفس السياسي: تاريخ شخصي
كانت علاقتي بعلم النفس و السياسة موضوعا لمحاضرة عامة لي تحت عنوان"علم النفس و السياسة في مصر (30) أشرت فيها إلى أن تلك العلاقة قد تشابكت مع تاريخي الشخصي وليس الفكري فحسب. في منتصف الخمسينيات، حين التحقت بالجامعة كانت مصر تشهد تبلور ملامح يوليو 1952، وكان غبار أحداث ما عرف باسم أزمة مارس لم يهدأ بعد، وقبلها كانت أحداث كفر الدوار. كانت كلمات الديمقراطية، والإقطاع، والاحتلال البريطاني، والثورة، بل والإسلام أيضا، تتردد مختلطة بأسماء محمد نجيب وجمال عبد الناصر وخالد محيي الدين، وأيضا خميس والبقري عمال کفر الدوار الذين تم إعدامهم، وعدلى لملوم نموذج الإقطاع الذي حوكم وسجن، إلى آخر قائمة طويلة من أسماء نجوم هذه المرحلة. وفي مثل هذا المناخ تزدهر عادة التساؤلات الكبرى عن حركة التاريخ وتوجهات المستقبل. كانت تلك التساؤلات تشغل آنذاك غالبية أساتذة الجامعة وطلابها على حد سواء."
في ظل هذا المناخ كانت بداية تعرفي على الماركسية وعلى التحليل النفسي معا كان الفكر الماركسي آنذاك ينفض عن نفسه آثار السستالينية، محاولا أن يتحسس مواطئ أقدامه في مرحلة ما بعد ستالين، مراجعا للعديد من تصوراته الدوجماطيقية القديمة، مختفا من حدة اتهام المخالفين بالهرطقة. أما بالنسبة للتحليل النفسي فقد شهدت تلك الفترة حوارا خصبا بين اليسار الماركسي الأوربي وبين التحليل النفسي، وبدأنا نتعرف على فلهلم رايخ، وجورج بوليتزير، و هنري فالون، ولوسيان سيف. وشهدت تلك الفترة كذلك بزوغ عدد من الفرويديين الجدد المتمردين على التحليل النفسي الفرويدي شدني منهم ايريك فروم.
(30) برنامج محاضرات لجنة علم النفس، المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة، 3 يناير 2001