وفي هذه الظروف، كانت كل من القيادة العليا للقوات المسلحة والقيادة العليا للقوة الجوية غير متأكدتين ومترددتين في تبني أي رأي بصورة قاطعة ازاء المسألة، وبالرغم من التوجيهات الاستراتيجية التي أعطيت لنا، قان غورنغ بصورة خاصية كان يتدخل باستمرار في الادارة الفعلية للهجوم. ونظرا لمسؤولياته المتشعبة، كان عليه أن يتغيب بين حين وآخر في برلين لمدة بضعة أيام بل وحتى بضعة أسابيع، وكانت المسافة البعيدة التي تفصل برلين عن مقر قيادته في فرنسا لا تحول دون تدخله الشخصي، بالرغم من وجود هيئة أركانه. لذا كانت تصلنا من العاصمة أكثر الأوامر غرابة، بحيث أنها أثرت في بعض الأوقات على سير الحركات التكتيكية. ومرة اخرى ابتدأت القيادة البحرية العليا والقيادة العليا للجيش بابداء مخاوفها وشكوكها بخصوص حركة سي لايون، كما أن هتلر نفسه لم يكن مقتنعا اقتناعا تاما بموضوع الغزو، وفي 10 آب تأجل موعد الغزو الى أواخر ايلول، بينما كان في الأصل في نهاية شهر آب، وفي 4 ايلول قال هتلر: «اذا كان الناس في انكلترا حائرين وتساءلوا لما لم يأت؟ فانني استطيع أن أريح أدمغتهم، أنني قادم .. وقال في نفس الخطبة الكلمات التالية: «اذا أعلن الانكليز انهم يضمرون نية شن هجمات ثقيلة على مدننا، فإن جوابنا على ذلك سيكون ازالة مدنهم من الوجود. وفي هذه الأثناء كانت القوة الجوية الألمانية نكافح باستمرار لتحقيق السيادة الجوية كما أمرت بذلك، وطرد القوة الجوية الملكية من الجو. وقد شعر الطيارون والملاحون مرارة أن النصر قد أصبح في متناول ايديهم تقريبا، ويعدئذ جاء يوم 15 أيلول ليرسم نقطة التحول، إذ أسقط في هذا اليوم خمس وستون طائرة من طائراتنا في معارك ضارية فوق سماء انكلترا.
في 17 أيلول أجل هتلر موعد الهجوم مرة أخرى، واستمرت المعركة الجوية، الا أن اسرابنا تعرضت إلى عملية سحق شديدة وعانت كثيرة من الخسائر، لدرجة أصبح من الصعب ان لم يكن من المستحيل اعادتها الى سابق قوتها. وعلى أثر ذلك طلب قائدا الأسطولين الجويين الثاني والثالث من غورنغ التخلي عن الهجمات النهارية التي تكلف كثيرا، والانتقال إلى القصف الجوي الليلي، وكان ذلك يعني التدريب على تكتيك جديد. ورويدا رويدا أصبح هذا التكتيك (القصف الليلي) عملية سهلة للغاية. وفي 12 تشرين أول قرر هنلر الغاء جميع خطط الغزو في ذلك العام. ومع هذا، فقد استمر الاعتقاد بأن ذلك الأجراء هو مجرد تأجيل لحركة سمي لايون إلى ربيع عام 1941. وهذا القرار وضع حد لتبجح القيادة العامة الألمانية وادعائها بالنصر في بادئ الأمر، وجاءت الجولة الحاسمة ليرسو النصر إلى جانب البريطانيين.
وهكذا أمهل البريطانيون ليستعيدوا أنفاسهم اللاهثة، بينها انتقلت أسراب قاذفاتنا إلى القصف الليل، أما في خلال الجانب النهاري من معركة بريطانيا، فان القوة الجوية الملكية (بالرغم من شبه الدائرة العظيمة للمنطقة المعادية المحيطة بها نظرا لاحتلالنا هولندا وبلجيكا وفرنسا) لم تكن في موقف غير جيد. إذ كانت تقاتل في معركتها الدفاعية فوق أراضيها، کيا كانت ممتلك منشأت ارضية من الدرجة الأولى. ولقد أظهر الطيارون البريطانيون أقصى