أن كل ما في ذهن القائد هو جزء من الحقيقة التي تؤدي إلى النجاح أو الفشل، رغم أن الذي في ذهنه قد يكون خطا كليا. فالجنرال دوايت آيزنهاور مثلا كان واثقا ان الألمان كانوا يحاولون الاستيلاء على لييج، ولقد تعززت ثقته هذه خلال معركة الأردين بثبات الفرقة الثانية القوي على هضبة ايلستبورن، وفشل العدو في الاستيلاء على مونسشو، مما جعله يولي باستوني اهتماما أقل، ولكن بالمقارنة مع الضمان الممنوح له في حالة الأزمات، لا يبقى ثمة كبير أهمية كون أن الألمان لم يكونوا يحاولون الاستيلاء على لييج.
لقد ظهر ايضا بنتيجة العمل المشترك الوثيق مع قادة العدو، أن العالم قد بالغ إلى حد ما في تقدير حقيقة اسلوب هيئة الأركان العامة الألمانية. فالتصور الشائع هو ان أسلوب هذه الهيئة عبارة عن عملية تصليب تحول الرجل في النهاية إلى آلة مفكرة شديدة التحمل، وتجرده من عوامل الخوف والتردد والتمارض ونقاط الضعف البشرية الأخرى. الا أن الجنرالات مخلوقات بشرية قبل كل شيء، وعليه فان أحسن تدريب الاعمال الاركان معروف حتى الآن، لا يمكن أن يجعله صلبا صلابة المعدن، أو أن يمنحه ضبطا ذاتيا لا حد له
لم يكن ثمة اختلاف كبير في العمل بين مجموعات القيادة والأركان الألمانية ومثيلاتها الأمريكية. فلقد كانوا تعاونيين إلى أقصى حدود التعاون، كما أنهم كانوا أكثر منا ميلا إلى تعرية الزلات الشخصية التي ساهمت في اندحارهم، وهنا أتذكر بصورة خاصة فرتز بايرلن، الذي كتب الفصل الخاص بمعركة العلمين في هذا الكتاب، فلقد كان صريحا بدرجة قاسية في تجسيد أخطائه بالذات وكذلك أخطاء الآخرين، وعندما ناقش أخطاء الحكمية، بدا عليه أنه مسرور لأنه أخطأ بصورة مجملة.
الا أنه يبتعد عن الشعور بالسعادة وهو يكتب قصته العيانية عن الكيفية التي سار فيها رترفون توما مباشرة وسط نيران المدفعية البريطانية فوق تل الميسرا لأنه (أي رنر فون توما) كان قد ضاق ذرعا بالحرب وبأخطاء هتلر ونزواته، وأن سبب عدم سروره في هذه الحالة هو أن الجنرالات الألمان لا يفترض فيهم أن يتصرفوا بطريقة فون توما، ولو أن بايرلن يعرف جيدا، ولأكثر من سبب، أن أولئك الجنرالات يفعلون ذلك في بعض الأحيان. وفي أطراف باستوني وجد بايرلن نفسه في حالة مماثلة لحالة فون توما، وذلك عندما هبطت معنوياته لدرجة أنه أرسل من أعماق كهف ما تقريرا بين فيه أن فرقته قد اوقفت ولم يعد لها امل في استئناف التقدم. وبذلك ارتكب بايرلن شططا كبيرا اضطر معه هتلر إلى تبديل خطته للتعرض في الأردين.
وعليه فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أليس من الممكن أن يكون للغز اختفاء غونتر فون کلوغ مدة يومين، والذي أدى إلى انتحاره، تفسير بسيط من النوع الذي ذكر أعلاه؟، أن ما حدث لرئيس أركان الجبهة الغربية سيبقى واحدا من أغرب الغاز الحرب. وفي تسجيله لوقائع معركة نورماندي الدفاعية، يقطع بودو زمرمان جزءا من الطريق الموصل الى