الصفحة 97 من 139

المقابل، فإن الحرب عادة بين الإمبراطوريات المتنافسة، كما أشار نيل فيرغوسن محقا هي التي أعانت الإمبراطوريات ومهدت السبيل لنشوئها. لقد ثبت أن الانتصار في الحروب الكبيرة لا يقل إضرارا بالإمبراطوريات عن الهزيمة فيها، وهو درس يمكن أن تتعلمه واشنطن من تاريخ الإمبراطورية البريطانية التي لم يكن السلام العالمي م ن صنعها، ولكنه هو الذي منحها فرصة البقاء، وذلك الكتاب البديع الموسوم بعنوان"جيوش منسية"يعطي صورة حية عن كيفية الخيار القوة الأوروبية والهيمنة في جنوب شرقي آسيا والتي كانت في ظاهرها شديدة الروعة والإحكام - في ظرف أسابيع بين سنتي 1941 و 101942).

ولو تركنا جانبا إسبانيا إبان القرن السادس عشر، وربما هولندا إبان القرن السابع عشر، فإن بريطانيا من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين، والولايات المتحدة منذئذ هما المثالان الوحيدان للإمبراطوريات العالمية الحقيقية، التي كان لها مصادر قوة وآفاق سياسة عالمية وليس محض إقليمية، كما ظهر في تفوق الأسطول البحري البريطاني خلال القرن التاسع عشر، وتفوق القوات الجوية الأميركية خلال القرن الحادي والعشرين، تدعمها شبكة عالمية مما يلزم من القواعد العسكرية. لكن هذا لم يكن كافية في الماضي، كما أنه لا يكفي اليوم، لأن الإمبراطوريات لا تعتمد على الانتصارات العسكرية أو على الأمن فحسب، ولكن على السيطرة المستديمة. ومن ناحية أخرى، فإن بريطانيا إبان القرن التاسع عشر والولايات المتحدة في القرن العشرين تمتعنا بمصادر قوة لم تتح لغيرهما مما سبقها من الإمبراطوريات، بل لم يكن لتتاح لهما، في ظل غياب العولمة الاقتصادية الحديثة، فقد سيطرتا على اقتصاد العالم الصناعي، وقد وصلتا إلى ذلك ليس بسبب حجم عدتهما الإنتاجية بوصفهما"ورشتي العالم"، فالولايات المتحدة في ذروتها في العشرينيات ثم بعد الحرب العالمية الثانية مثلت نحو 40% من إنتاج العالم الصناعي (1) ، كما أنها ظلت الأكبر في سنة 2005، رغم أنها لم تتجاوز 22.4

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10) جيوش منسية Forgotten Arries، لكريستوفر بايلي وتيم هاربر: سقوط آسيا البريطانية من

عام 1941 إلى عام 1945 (لندن، 2004) . (1) التصنيع والتجارة الخارجية Industrialization and Foreign Tradle، عن عصبة الأمم

(جنيف، 1943) ، ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت